حادثة ليلة العمر حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

ده كان عبقري إلكترونيات.
فجأة، صوت في القسم بره بدأ يعلى.. صوت خطوات جزمة غالية وليها رنة متعجرفة. خالد وصل.
سلمى سمعت صوته بره وهو بيكلم الظابط بتمثيلية متقنة يا باشا أنا مش عايز أئذيها، دي مهما كان عرضي، بس هي تعبانة نفسيًا من ساعة الحادثة ومحتاجة مصحة، مش سجن.
الظابط رد عليه بنبرة فيها نفاق واضح والله يا خالد بيه حضرتك كلك ذوق، إحنا بس هنعمل الإجراءات وهي معاك، خدها وديها المكان اللي تشوفه مناسب.
الباب الحديدي اتفتح، وخالد دخل ووشه ملفوف بشاش أبيض مكان الخبطة. بص ل سلمى بانتصار ومد إيده عشان يقومها يلا يا سلمى.. يلا يا حبيبتي عشان ترتاحي.
سلمى قامت وهي بتبص له وعينيها خالية من أي خوف، وقفت قدامه وبكل هدوء قالت ياسين مكنش سايب الصور والفلاشة عشان يثبت بيهم حاجة للبوليس يا خالد.. هو كان عارف إنك شاري الكل.
خالد كشر وسألها بوشوشة قصدك إيه؟
سلمى قربت من ودنه وهمست الدبلة اللي في رقبتي فيها جهاز تتبع وتسجيل حي.. كل كلمة قولتها في المكتب، وكل كلمة قولتها للظابط هنا، وكل مليم دفعته عشان تشتري ذمته.. دلوقتي بيتبت على لايف ستريم لصفحة الشركة اللي فيها أكتر من نص مليون متابع.. السيرفر متبرمج يفتح البث بمجرد ما الفص يتشال من الدبلة.
وش خالد بقى لونه أصفر كأنه ميت، ورجليه ملقيتش الأرض تشيله. وفي اللحظة دي، تليفون الظابط وتليفونات كل العساكر في القسم بدأت ترن وتصفر بإشعارات.. الفضيحة بقت تريند في مصر كلها في أقل من خمس دقايق.
الظابط مسك تليفونه وإيده بتترعش وهو بيشوف فيديو خالد وهو بيعترف بقتل ياسين ومسكه للمطواة، وبعدها صوته وهو بيتفق مع الظابط في المكتب.
سلمى خرجت من الحجز بخطوات واثقة، والظابط كان واقف مكانه مش عارف يتحرك، الكل اتكشف واللعبة انتهت. بصت ل خالد اللي وقع على ركبه وقالت له بجمود ياسين فعلاً عمل الفخ المثالي.. بس الفخ مكنش في ليلة الدخلة، الفخ كان إنه خلاك تفتكر إنك كسبت، عشان تمضي على نهايتك بإيدك.
طلعت سلمى من القسم، المطر كان غسل الشوارع، بصت للسما واتنفست لأول مرة من تمن شهور نفس طويل وصافي.. وهي حاسة إن روح ياسين أخيرًا سكنت وارتاحت.
صوت سرينة البوليس بدأت تملأ المكان، بس المرة دي مكنتش جاية عشان سلمى. عربيات الأمن الوطني
والتفتيش حاصرت القسم في ثواني، البلاغ اللي انتشر زي النار في الهشيم وصل لأعلى المستويات، ومبقاش حد يقدر يغطي على حد.
سلمى وقفت على الرصيف، وشافتهم وهم بيسحبوا خالد والكلبشات في إيده، كان منظره مكسور وذليل، بيبص لها بنظرة غل وهو بيحاول ينطق، بس صوته ضاع وسط زحمة الناس اللي بدأت تتجمع. والظابط اللي كان بيحاول يداري جريمته، سحبوا منه طبنجته وخدوه معاهم في نفس العربية.
الدنيا بدأت تهدا، والمطر وقف تمامًا وكأن السما كانت بتغسل قهر سلمى مع دم ياسين.
بعد أسبوع، سلمى كانت واقفة قدام المقابر، لابسة أبيض، مش أسود. حطت ورد على قبر ياسين وابتسمت ابتسامة خفيفة مليانة وجع ورضا في نفس الوقت.
عملتها يا ياسين.. همست بصوت واطي وهي بتلمس الرخام، طلعت ذكي أوي، وخلتني أعيش عشان أشوف حقك وهو بيرجع. الفخ كان كبير بس أنت كنت أكبر.
وهي ماشية وراحة لعربيتها، لمحت راجل واقف بعيد، لابس بدلة سودة ونضارة شمس، وأول ما عينها جت في عينه، شاور لها براسه كأنه بيحييها، واختفى ورا شجرة كبيرة. سلمى استغربت، بس شافت ورقة صغيرة مطوية ومحطوطة على إزاز عربيتها.
فتحت الورقة، ولقت مكتوب فيها بخط مألوف جداً الحقيقة ليها تمن، بس الحرية ملهاش سعر. ياسين مكنش مجرد مهندس يا سلمى، ياسين كان عين لينا جوه عالم مكنتيش تتخيلي وجوده. ارتاحي دلوقتي، الحكاية لسه مخلصتش.
سلمى بصت حواليها، مكنش فيه حد، بس حست إنها مش لوحدها، وإن ليلة فرحها مكنتش مجرد حادثة، دي كانت بداية لقصة تانية خالص هي مكنتش تعرف عنها حاجة. ركبت عربيتها ودورتها، ولأول مرة من تمن شهور، مشغلتش الراديو على قرآن أو أغاني حزينة.. سكتت، وبصت في المراية، وشافت في عينيها قوة جديدة مكنتش موجودة قبل كده.
الطريق كان مفتوح قدامها، والسر اللي ياسين خده معاه للقبر، بدأ يطل براسه من جديد.
سلمى فضلت باصة للورقة وهي مش مستوعبة، الكلام مشفر بس ريحته ياسين. بدأت ترجع بذاكرتها لورا، افتكرت سهراته الطويلة في المكتب، السفرات المفاجئة اللي كان بيقول إنها شغل هندسي في سينا أو على الحدود، الأجهزة الغريبة اللي كانت بتوصله في طرود مجهولة.
فجأة، تليفونها نور.. رسالة من رقم خاص الخزنة كان فيها درج سحري تاني، لو دورتي تحت القطيفة اللي مبطنة الأرضية،
هتلاقي مفتاح شقة في العجوزة.. روحي هناك لوحدك.
سلمى محستش بنفسها وهي بتطير بالعربية ناحية العجوزة، وصلت لبرج قديم بيطل على النيل، طلعت الدور العاشر، وإيدها بتترعش وهي بتحط المفتاح في الباب. أول ما دخلت، النور اشتغل لوحده ب حساسات حركة.
الشقة مكنتش شقة سكنية، دي كانت غرفة عمليات. شاشات متوصلة بكاميرات في أماكن حيوية، ملفات بأسماء تقيلة في البلد، وخريطة كبيرة لمصر متثبت عليها دبابيس حمراء وسوداء. وفي نص المكتب، كانت محطوطة صورة فرحهم، وجنبها جهاز تسجيل صغير.
داست على زرار التشغيل، فطلع صوت ياسين الهادي، بس
المرة دي كان صوته فيه نبرة عسكرية حازمة
سلمى.. لو سمعتي التسجيل ده، يبقى أنا نجحت إني أحميكي، وفشلت إني أرجعلك. أنا مكنتش مهندس يا حبيبتي، أنا كنت شغال في جهاز جمع المعلومات السيادية، وخالد مكنش عايز يقتلني عشان الشركة، خالد كان مجرد أداة في إيد شبكة بتهرب أسلحة ومعلومات، وأنا كنت زرع نفسي وسطهم.
سلمى وقعت على الكرسي وهي بتسمع صوته بذهول، كمل التسجيل
الحادثة كان لازم تحصل، وكان لازم السواق يبلغك إنها مقصودة، عشان خالد يطمن إنك لوحدك فيبدأ يتحرك ويظهر اللي فوقيه. أنا عارف إنك قوية، وعارف إنك هتجيبي حقي. دلوقتي، افتحي اللاب توب اللي قدامك، فيه ملف اسمه ليلة الدخلة.. ده مش فيديو لفرحنا يا سلمى، ده كشف بكل الرؤوس الكبيرة اللي كانت بتمول خالد. الملف ده أمانة في رقبتك لحد ما يوصل ل الراجل اللي شفته عند المقابر.. هو هيعرف يعمل إيه.
في اللحظة دي، سمعت صوت تكة الباب وهو بيتفتح وراها ببطء. لفت برعب، لقت الراجل اللي شافته عند المقابر واقف وساند على الباب، وبنفس النبرة الهادية قال لها
ياسين كان أحسن واحد عندنا يا مدام سلمى.. ودلوقتي، حقه وحق البلد محتاج إنك تكملي المسافة اللي باقية.
سلمى بصت لصورة فرحهم، وبعدها بصت للراجل، وقامت وقفت بصلابة، مسحت دموعها للأبد وقالت بلهجة مصرية فيها تحدي
أنا جاهزة.. ياسين ممتش، ياسين عايش فيا، وهنخلص الحكاية دي سوا.
ومن ليلتها، مبقتش سلمى الأرملة المكسورة، بقت شريك الصمت في قضية هزت البلد كلها، ليلة دخلتها مكنتش النهاية، دي كانت ساعة الصفر لمعركة أكبر بكتير مما تتخيل.
الراجل قرب منها، وقلع نضارته، وبان في عينيه
احترام حقيقي أنا اللواء عمر، وياسين كان ابني قبل ما يكون دراعي اليمين.. الملف اللي معاكي ده يا سلمى، هو الرصاصة الأخيرة اللي ياسين سابها في المسدس عشان نخلص على الأفاعي الكبيرة.
سلمى بصت للاب توب، وبعدين بصت لعمر وسألت بوجع يعني هو كان عارف إنه هيموت؟ كان عارف إن ليلة فرحنا هتكون جنازته؟
عمر اتنهد بأسى ياسين اختار التمن ده عشان يحميكي ويحمي البلد، كان عارف إنهم مش هيسيبوه، فقرر يحول موته لفخ يوقعهم كلهم. هو محبش حد في حياته قدك، وعشان كده خلى نهايته هي البداية ليكي.
سلمى فتحت الملف اللي اسمه ليلة الدخلة، وبدأت الأسماء تظهر قدامها.. وزراء، رجال أعمال، وشخصيات مكنتش تتخيل إنها بتبع دم البلد. في اللحظة دي، ضغطت إرسال للملف لجهة سيادية مشفرة زي ما ياسين كان كاتب في التعليمات.
عدت شهور.. والبلد مكنتش بتتكلم غير عن زلزال التطهير. رؤوس كبيرة طارت، وشبكات تجسس وتهريب اتفككت، وخالد اتصدر ضده حكم بالإعدام بعد ما اعترف بكل حاجة تحت ضغط الأدلة اللي ياسين زرعها جوه دبلة سلمى وجوه ملفات الشركة.
في ليلة هادية، سلمى كانت واقفة في بلكونة شقة العجوزة، بتبص للنيل، وماسكة في إيدها دبلة ياسين اللي بقت رمز لحريتها وقوتها. تليفونها رن.. كانت رسالة مسجلة بصوت ياسين، متبرمجة تتبعت في التاريخ ده بالذات عيد جوازهم الأول
سلمى.. لو بتسمعي ده دلوقتي، يبقى الحق رجع، والبلد نضفت، وانتي بقيتي حرة. متبكيش عليا يا حبيبتي، أنا عمري ما سبتك، أنا موجود في كل شارع آمن في البلد دي، وفي كل ضحكة طفل بيلعب وهو مش خايف. عيشي يا سلمى، وحبي الحياة، عشان أنا مت عشان انتي تعيشي.
سلمى ابتسمت والدموع في عينيها مش دموع قهر، دي دموع نصر. قلعت السلسلة اللي فيها الدبلة، وبصت لها لآخر مرة، وبعدين حدفتها في قلب النيل.. كأنها بترجع الأمانة لصاحبها، وكأنها بتقفل صفحة الوجع عشان تبدأ صفحة جديدة.
النهاية مكنتش موت عريس، ولا انتقام أرملة.. النهاية كانت إن ياسين انتصر حتى وهو تحت التراب، وسلمى مبقتش الضحية، بقت هي الحقيقة اللي كشفت سواد القلوب.
نزلت من الشقة، مشيت وسط الناس، ملامحها هادية، وخطواتها واثقة.. ولأول مرة من سنة، حست إن الهوا اللي بتتنفسه طعمه حرية، وإن ليلة العمر، رغم الوجع، كانت فعلاً.
. أغلى ليلة في العمر.
تمت
حكايات انجى الخطيب

تم نسخ الرابط