تركة تلة الشوك كاملة حكايات انجي الخطيب
تركة "تلة الشوك".. السر المدفون في بيت العز القديم
يوم ما "إيمان" كملت تمنتاشر سنة، مفيش حد غنالها "سنة حلوة يا جميل".
مفيش تورتة، ولا شمع، ولا لِمّة عيلة حوالين طبلية خشب كبيرة يضحكوا ويهزروا ويتخانقوا مين ياخد الحتة اللي في النص. كان يوم رمادي كئيب في لوكاندة شعبية بوسط البلد في القاهرة، ريحة الموكيت فيها رطوبة وكمكمة، وكيس ورق فيه رغيفين فينو وإزازة ميه، ودول كانوا آخر تلاتين جنيه في جيبها مش قادرة تصرفهم.
أمها سابتها من ست أسابيع.
المرض اللعين نهش في "جيهان" بالراحة في الأول، وبعدين خلص عليها مرة واحدة، زي الشتا اللي يبان هادي لحد ما يفرقع مواسير البيت كله. إيمان قضت آخر سنة في ثانوي بتتعلم إزاي تقيس الدوا، وإزاي تتخانق في مكاتب التأمين الصحي، وإزاي تسخن شوربة معلبة، وإزاي تكذب على المدرسين وتقولهم إنها
بعد العزا، كل حاجة فصّت وملحت.
شقتهم الإيجار القديم صاحبها خدها. العفش طلع تبع شركات التقسيط وسحبوه. الفواتير بدأت تهل باسم أمها، وبعدين إنذارات، وبعدين تهديد بالطرد. إيمان باعت اللي وراها واللي قدامها: الميكروويف، دبلتين فالصو، تليفزيون شاشته مكسورة، وتلات كراتين كتب.
في يوم ميلادها التمنتاشر، مكنش حيلتها غير شنطة هدوم، وشنطة ضهر، وسبعين جنيه، وملهاش مكان تروح فيه.
وهي قاعدة على سرير اللوكاندة بتبلع ريقها عشان متنهرش وتعيط، سمعت خبط على الباب.
إيمان اتسمرت مكانها.
في الأماكن اللي زي دي، الخبط معناه مصيبة أو غلطة أو حد غريب. قامت وراحت بصت من "العين السحرية"
لقيت راجل ببدلة كحلي، شايل في إيده شنطة جلد. شعره شايب، ولابس نضارة طبية، وواقف وقفة واحد مش طايق نفسه وعايز يمشي بسرعة.
"يا آنسة إيمان؟" نادى من ورا الباب. "أنا الأستاذ عادل، محامي. بعتذر على الإزعاج."
إيمان مفتحتش الباب. "أنا مديونة لأي حد بمليم."
سكت لحظة وقال: "لأ، مش عشان كدة أنا هنا."
فتحت الباب حتة صغيرة وسابت السلسلة محطوطة. "أنا المحامي بتاع عمتك الكبيرة، الست زينات."
إيمان بربشت بعينيها. "أنا معنديش عمات."
رد بهدوء: "كان عندك.. الله يرحمها اتوفت من تلات شهور."
"وجاي دلوقتي ليه؟"
"عشان دُخنا على ما نوصلك. والدتك كانت بتعزل كتير. أنا آسف يا بنتي." طلع ملف من شنطته وكمل: "الست زينات سابتلك "عزبة" في وصيتها."
إيمان بصتله بذهول.
**عزبة.**
الكلمة كانت تقيلة وكبيرة قوي على أوضة اللوكاندة الضيقة.
"أكيد
"أنا مغلطتش."
"عزبة إيه؟"
بص في الورق وقال: "عزبة في المنيا، اسمها "تلة الشوك". بيت كبير، ومباني ملحقة، وحوالي عشرين فدان."
إيمان ضحكت ضحكة مكسورة. "دمك خفيف."
"أنا بتكلم جد."
"أنا حتى معاييش تمن الليلة في اللوكاندة دي!"
ملامحه متأثرتش. "يمكن عشان كدة عمتك أصرت إنك تورثيها."
فتحت إيمان الباب على آخره، ولأول مرة من سنين، نسيت يعني إيه خوف.
عزبة "تلة الشوك" كانت ورا بوابة حديد مصدية في آخر طريق مكسر، كأن الحكومة وربنا نسيوه.
الأستاذ عادل وصلها بالعربية لحد هناك. طول الطريق حكى لها إن زينات دي كانت أخت جدتها الكبيرة، عاشت طول عمرها لوحدها، متمسكة بالأرض والبيت ورافضة تبيع لأي حد، ومحدش كان عارف هي عايشة إزاي.
"ليه أمي مجابتش سيرتها قبل كدة؟" إيمان سألت وهي باصة من الشباك على الغيطان.
"
"ليه؟"