إمضاء علي الدمار كاملة حكايات انجي الخطيب

لمحة نيوز

الجزء الأول: السند لما يميل
لو سألتوا أهلي من سنة واحدة بس إيه أجمل صفة في أخويا "محمود"، كانوا هيقولوا: "قبوله".
مش أمانته..
ولا جدعنته..
ولا شقاه..
لأ، "القبول".
محمود كان أستاذ في إنه يدخل أي مكان بوش "المظلوم"، الشخص اللي الدنيا جاية عليه، رغم إنه هو اللي دايما بيعمل المصيبة ويسيب غيره يلم وراه.
بيعرف يكلم أمي بصوت واطي ومكسور، يخليها تفتكر فيه الطفل العبقري اللي لسه مصدقة إنها ربته.
بيعرف يطلب "جمايل" من غير ما يحسسك إنه بيشحت.. والأهم، بيعرف يخلي الناس تشيل الشيلة، وهو اللي ياخد اللقطة في الآخر.
محمود كان هو "الحكاية"..
وأنا كنت "الأساس" اللي شايل البيت ده كله.
أنا اسمي **دينا كساب**.
عندي اتنين وتلاتين سنة، أكبر من محمود بتلات سنين. وفي عيلتنا، كونك "البنت الكبيرة" فده معناه حاجة واحدة:
أنا اللي بصلح كل حاجة.
أنا اللي بمضي.
أنا اللي فاهمة.
أنا اللي ممنوع أعمل مشكلة.
أنا اللي عندي الشغل الثابت، والتأمين، والقرش الأبيض.. وأنا اللي خطي حلو في الورق الرسمي اللي الكل بيعمل نفسه مبيفهمش فيه عشان يرموه عليا.
الدور ده مجاش من فراغ، ده اتبنى طوبة طوبة.
لما محمود كان يجيب درجات مقبولة، أمي تقول ده عبقري بس "مملول" وقدراته أكبر من التعليم.
لما كنت أجيب امتياز، تقول ده العادي من بنت "عاقلة" زيك.
لما محمود يسيب شغلانة في

نصها، يبقى لسه "بيدور على نفسه".
لما أنا فكرت مرة أسيب حاجة مش مريحة ليا، بقيت "صعبة" و"ناشفة".
في العزومات، لما محمود يترقى ترقية عبيطة في شغل مبيكملش فيه شهرين، أمي ترفع كاستها وتقول:
"لابني.. اللي بيبني إمبراطوريته."
والكل يسقف.
بعدها بشهور، لما أقول إني بقيت مديرة قسم، أمي تطبطب على إيدي وتقول:
"مبروك يا حبيبتي، بس خفي شغل شوية.. الرجالة بتخاف من الست الناجحة زيادة."
محمود عاش سنين بيسمع الكلام ده..
عمره ما صلح المعلومة.
عمره ما قال إن ده ظلم.
عمره ما ساب لي مساحة في البيت اللي كان واكله كله لوحده.
حتى لما جدي توفى وساب ورث، مكنش ثروة بس كان يسند اتنين لسه بيبدأوا..
تفتكروا حصل إيه؟
الورث كله راح لمحمود.
عربية "زيرو" مكنش محتاجها.. "بداية جديدة".. فرصة تانية عشان يبقى الراجل اللي أمي لسه بتوهم نفسها إنه موجود.
ولما سألت عن نصيبي، قالولي: "يا بنتي ما أنتِ ماشاء الله ماشية وزي الفل.. مش محتاجة."
قالوها كأنها مدح.. بس وقعها عليا كان كأنه حكم بالإعدام.
بعدها محمود جاب **"سارة"**.
وده الجزء اللي بيكسرني وأنا بعترف بيه:
أنا في الأول حبيتها.
صوتها كان واطي يخليك تقرب منها عشان تسمعها.
بتحكي مآسيها بالقطارة.. طفولة صعبة، مديرين ظلمة، ناس مادوهاش فرصة.
صدقتها.. حسيت إن فيها كسرة تشبهني.
قلت يمكن هي رقيقة بجد.. وتستاهل حد
يحميها.
لما سارة قالت إنها مش لاقية سكن مستقر، ساعدتها.
أنا اللي ضمنتها في شقتها الأولى.
قعدت معاها ساعات أظبط لها الـ CV.
دفعت لها المقدم وأول شهر إيجار من جيبي.
قلت لها: "رجيعهملي لما تقدري."
عيطت وهي بتمسك الشيك وبتقول لي:
"أنتِ الأخت اللي مخلفتهاش أمي."
صدقتها..
صاحبتي "هالة" مكنتش مصدقة.
قالت لي: "البنت دي بتعرف تحسبها بالملي يا دينا."
قلت لها: "يا بنتي دي غلبانة ومضغوطة.. محتاجة بس شوية استقرار."
هالة بصت لي كتير وقالت جملة كان لازم أقف عندها:
"يا دينا، فيه ناس بتشوف الطيبة.. ضعف."
مسمعتش كلامها.. لأني طول عمري بخاف أرفض طلب عشان مخيبش ظن حد.
بعد تمان شهور، محمود خطب سارة.
أمي قلبت الخطوبة "فرح ملكي".. زوقت البيت، وعيطت في الغدا، وكلمت القرايب كلهم تقول إن ابنها أخيراً هيبني حياته.
سارة لبست الدور بسرعة..
هادية، شيك، وممتنة.
"الكنّة" المثالية للصورة اللي عيلتي عاوزة تصدرها للناس.
وبعدين جه وقت "بيت الأحلام".
شقة في كومباوند، واجهة كلاسيك، جنينة كبيرة.. وتراس ينفع لصور الفرح.
صالة تشيل عيلة كاملة عشان نمثل إننا كويسين.
بس كان فيه مشكلة واحدة..
مكنش معاهم تمنها.
محمود تاريخه في الشغل يخلي أي بنك يرفضه، وبيتعامل مع الفيزا كأنها "فلوس ملقاة".
وسارة ديونها ومشاكلها المادية متتلمش.
البنك حط شرط واحد:
لازم "ضامن" بروفايله
ملوش غلطة.
لازم.. أنا.
محمود طلبها بطريقته المعتادة..
الصوت الحنين، العاجز.
"يا دينا، ده مجرد ورق.. مش هتدفعي مليم. هما بس عاوزين اسمك عشان أنتِ عارفة البنوك ورخامتها."
قلبي اتوغل..
كان لازم أقول لأ.
كان لازم أطلب كشف حساب.
كان لازم أعمل عقد يحميني.
بس أمي كلمتني وقالت: "الأهل لبعضهم يا دينا.. أخوكي بيبني نفسه، متبوظيش الدنيا بظنونك وشكوكك."
سارة كانت قاعدة جنبها، ماسكة إيدها، وبتبص لي بعين "الممثلة التعبانة":
"هنشيل جميلك ده فوق راسنا العمر كله."
فمضيت..
مش لأني واثقة فيهم،
لكن لأن فيه جزء مكسور جوايا كان لسه مصدق إني لو فضلت "جدعة" و"سند" و"ساكتة"..
في يوم من الأيام، أهلي هيحبوني الحب اللي أستحقه.
مكنتش أعرف إن الإمضاء ده هو السكينة اللي هتتدبح بيها.
الليلة اللي كل حاجة فيها انكسرت، محمود وسارة جولى البيت "عشان نتكلم في تفاصيل الفرح".
وده كان كذب..
هما جوم يطلبوا فلوس تانية.
مقلوهاش صريحة طبعاً..
قالوا إن القاعة غليت.
قالوا إنهم عاوزين "ليلة العمر" تبقى مميزة.
قالوا إن البنك محتاج يشوف سيولة أكتر في الحساب.
كل الرغي ده كان معناه حاجة واحدة:
"شيلينا تاني يا دينا."
قلت "لأ".. بكل هدوء.
عرضت إني أساعدهم يعملوا ميزانية.. يقللوا المصاريف.. يأجلوا الفرح.. يرتبوا أولوياتهم.
أي حاجة إلا إني أكون "شبكة الأمان" اللي بتداري
كذبهم.
هنا شفت وش سارة الحقيقي.. القناع وقع.
عينيها بقيت جاحظة وقالت: "أنتِ فاكرة نفسك أحسن مننا؟"

تم نسخ الرابط