الحق مبيضعش حكايات انجي الخطيب

لمحة نيوز

جدي دخل عليا الأوضة في المستشفى بعد تلات أيام من الولادة.. بص للتيشرت المبهدل اللي لابساه من يوم الثلاثاء، وبص للفولدر اللي فيه حساب المستشفى والمبلغ اللي لسه مندفعش (18 ألف جنيه)، وسألني بهدوء يخوف: "ليه الـ 100 ألف جنيه اللي ببعتهم لك كل أول شهر، مخليينك عايشة كأنك مش لاقية تمن المروح لبيتك؟".
عمل مكالمة واحدة بس، والضحكة المثالية اللي كانت على وش جوزي بدأت تتهز وتتكسر قدام الكل.
جدي ضغط بإيده على سور السرير وبص للياقتي المتبهدلة.. "ليلى" كانت نايمة على صدري، دافية ونفسها الصغير بيحسسني إن الدنيا لسه بخير. الممرضة كانت لسه خارجة وسابت وراها صوت الأجهزة وريحة المطهر اللي كاتمة على النفس.
جدي سحب الكرسي ببطء.. المعدن عمل صوت صرصرة قوية على الأرض.
— **"نورهان.."**
صوته مكنش عالي، كان مسطح.. هدوء مرعب.
رفعت راسي، وشعري كان مبهدل، وإيدي معلم فيها أثر "الأسورة" البلاستيك بتاعة المستشفى، وجلدي ناشف من كتر المنظفات اللي كنت بستخدمها في شغلي اللي سبته بالعافية في الشهر التامن.. وشفايفي كانت مشققة.
جدي بص للفولدر اللي فيه الحساب، وبعدين بص لشنطة الهدوم البلاستيك، وللشراب المقطوع اللي لابساه تحت الشبشب القديم.


— **"مكفكيش 100 ألف جنيه في الشهر يا نورهان؟"**
السؤال نزل عليا زي الصاعقة.. مبربشتش حتى. كنت سامعة صوت عيل بيعيط في الأوضة اللي جنبي، وأنا حاسة بوجع الجرح بيشد في جسمي.
— **"إنت بتقول إيه يا جدو؟"**
مغمضش عينه ولا نزل نظره من عليا:
— **"من يوم فرحك.. أول كل شهر، المبلغ بيتحول لحسابكم. كنت عايزك تعيشي ملكة، مكنتش عايزك تحتاجي لحد."**
حسيت ببرودة في صوابعي وأنا ضامة بنتي:
— **"يا جدي.. أنا عمري ما شفت مليم واحد من الكلام ده."**
لون وشه اتخطف في ثانية.. لدرجة إني اتعدلت في السرير من الخضة.
مجادلش.. مسألش "إنتي متأكدة؟".. طلع موبايله من جيب الجاكتة، وطلب رقم.
— **"حوليني لـ "مديحة" فوراً."**
ده كل اللي قاله.
صوته معليش.. قال اسمي بالكامل، واسم جوزي، وجملة واحدة كانت زي حد السيف:
— **"تجميد كامل لكل الحسابات والفيز اللي باسم "شريف علام" لغاية ما أقولك."**
في اللحظة دي الباب اتفتح.
"شريف" دخل بطلته اللي راسمها دايماً.. لابس قميص مكوي بالمللي، ودقنه متظبطة، وفي إيده كوباية قهوة "براند"، داخل "برنس" مش داخل أوضة مستشفى فيها مراته مغيرتش لبسها من تلات أيام. وراه كانت والدته "نادية"، شايلة أكياس لبس وشياكة،
وريحة برفانها غطت على ريحة المستشفى.
شريف بصلي وابتسم نص ابتسامة.. بس الابتسامة دي اتجمدت لما شاف جدي قاعد جنبي.
— **"أهلاً يا عثمان بيه.."** وهو بيظبط الساعة في إيده، **"مكنتش أعرف إنك جاي النهاردة."**
جدي مقامش من مكانه.
شريف حط القهوة على الترابيزة.. الكوباية عملت صوت "خبطة" مكتومة جنب الفولدر بتاع الحساب. حماتي "نادية" بصت للمبلغ اللي لسه مندفعش وبعدين بصت لهدومي، ولوت بوزها:
— **"نورهان يا حبيبتي، على الأقل كنتي غيرتي هدومك دي قبل ما جِدك يشوفك.. منظرك مش حلو خالص."**
مشيت إيدي على غطا بنتي ومردتش.
شريف ضحك ضحكة قصيرة:
— **"معلش يا عثمان بيه.. أسبوع طويل وتعب، وإنت عارف بقى مصاريف الولادة اليومين دول بقت نار، والواحد بيحاول يلحق منين ولا منين."**
جدي رفع عينه فيه وبصله بكل حدة:
— **"مصاريف إيه اللي بتلحق عليها؟.. اشرح لي إنت."**
الجو في الأوضة اتقلب.
شريف حط إيده في جيبه.. فكه اتشنج قبل ما يحاول يرجع الابتسامة الباهتة لوشه:
— **"مش فاهم حضرتك تقصد إيه؟"**
— **"بديك فرصة واحدة تقول الحقيقة.. في نفس الأوضة اللي حفيدتي لسه سامعة فيها إنها مش هتخرج من هنا غير لما ندفع الـ 18 ألف جنيه اللي فاضلين،
في حين إن في حسابك مئات الآلاف من فلوسي."**
"نادية" حماتي اتدخلت بسرعة:
— **"يا عثمان بيه ده كلام ملوش لزمة.. نورهان طول عمرها بتهول الأمور، وشريف شايل كل حاجة وشايلها فوق راسه."**
كلمة "شايل كل حاجة" مكنتش لسه خلصت لما موبايل شريف هز.
مرة.. التانية.. التالتة.. زنة طويلة على قزاز الترابيزة.
طلعه بزهق وبص في الشاشة.. وفجأة الدم هرب من وشه حرفياً. ملامحه "وقعت" كأنه شاف شبح.
والدته بصت له بقلق:
— **"في إيه يا شريف؟"**
شريف منطقش.. صباعه كان بيرتعش على الشاشة. إشعار ورا إشعار.. مكالمة ورا مكالمة من البنك.
جدي كان لسه قاعد مكانه، ساند إيده على العكاز، وباصص له بنظرة هدوء مرعبة.
شريف رفع عينه وبص لجدي.. ولأول مرة، ملقاش كلمة واحدة "شيك" يقولها.
شاشة الموبايل نورت تاني، والمرة دي شفت السطر اللي انعكس في عينيه بوضوح:
**"تم إيقاف التعامل على الحساب مؤقتاً."**
فتح بقه عشان يتكلم
***********************
شريف حاول يبلع ريقه، بس زوره كان ناشف زي الأرض العطشانة. بص للموبايل اللي مش بيبطل رن، وبص لجدي اللي قاعد زي الجبل، مفيش في ملامحه ذرة رحمة.
— **"يا عثمان بيه.. الموضوع سوء تفاهم، أنا كنت محوش الفلوس دي عشان
مستقبل البنت، عشان نشتري شقة تانية باسم نورهان.."**

تم نسخ الرابط