وعـد الطفـولة فـي لقـاء القـدر كـاملة حكـايات إنجـي الخطـيب
الجزء الأول الوعد المنسي
في قلب حارة شعبية أصيلة في حي مصر القديمة، حيث تختلط رائحة الياسمين المتدلي من الشرفات برائحة القهوة بالحي، كانت سلمى، الطفلة ذات السبع سنوات، بطلة أكبر فضيحة شهدتها المنطقة. في عصر يوم جمعة مشمس، وبوجه محتقن من البكاء، وقفت في منتصف منور البيت الواسع، وأشارت بإصبعها المرتجف نحو يحيى، الشاب الذي لم يتجاوز السابعة عشرة وكان يسكن وحيداً في غرفة متواضعة فوق السطوح، وصرخت بملء فيها أمام الجيران
لما أكبر هتجوز يحيى.. ومش فارق معايا كلام حد!
تعالت ضحكات الكبار وتهكماتهم، لكن الأمر لم يكن مضحكاً بتاتاً ل حج رضوان وزوجته ست سعاد، والدي سلمى. كانا أغنى سكان المنطقة، يمتلكان محلات تجارية كبرى، وكان ينظران بفقر يحيى وكفاحه نظرة دونية ملؤها الاحتقان. وبغضب عارم، جذبت الأم ابنتها بعنف إلى داخل البيت وهي تتوعدها.
قبل أن تختفي سلمى، انحنى يحيى بسرعة على ركبتيه، مسح دموعها بطرف قميصه البسيط، وهمس لها بصوته الهادئ الذي كان دائماً يداوي جراحها
خلصي مدرستك الأول.. ذاكري كويس، وبعد 15 سنة نتقابل ونفتح الموضوع ده تاني.. اتفقنا؟
هزت الطفلة رأسها بالموافقة، لكنها لم تكن تعلم أنها المرة الأخيرة التي ستسمع فيها صوته.
بعد أيام قليلة، توفيت جدة يحيى، السند الوحيد له. وفي
مرت 15 سنة، ودارت الدوائر بشكل قسّي. أفلست تجارة الحج رضوان بسبب قرارات خاطئة، وتراكمت عليه ديون بلغت 5 ملايين جنيه، وباتت العائلة مهددة بالتشرد. أما سلمى، فقد أصبحت شابة في الثانية والعشرين، خريجة اقتصاد بمرتبة الشرف، تحمل على عاتقها عبء إنقاذ أسرتها من الضياع.
كان أملها الوحيد هو الحصول على منصب إداري في مجموعة النيل للاستثمار، أضخم صرح اقتصادي في منطقة التجمع الخامس. سارت المقابلة في غرفة الاجتماعات الفاخرة بشكل مثالي، حتى فُتحت الأبواب الزجاجية الضخمة فجأة.
دخل المدير العام.. كان يرتدي حلة سوداء فاخرة، وساعته وحدها تساوي ثمن بيت سلمى القديم. كان رجلاً مهيباً، بارد الملامح، ونظراته حادة كالمشرط. وعندما التقت عيناه بعينيها، توقف الزمن. كان هو.. يحيى.
لكن نظراته لم يكن بها ذرة من الحنين. وبابتسامة يملؤها الكبرياء والتشفي، ألقى بملف أحمر على الطاولة، ونطق بكلمات جمدت الدماء في عروق الجميع.
حكايات انجي الخطيب
الفصل الثاني لعبة القط والفأر في برج النيل
سقط الملف الأحمر على الطاولة الرخامية كأنه قنبلة موقوتة. نظرت سلمى إلى يحيى، لم تصدق أن هذا الوحش الكاسر الواقف أمامها هو نفسه الشاب الذي كان يقتسم معها رغيف الخبز في حواري مصر القديمة. يحيى الآن، أو المهندس يحيى سيف الدين كما يلقبه السوق، أصبح رجلاً بلا قلب، ملامحه كأنها نُحتت من صخر الجرانيت.
1. المواجهة الأولى كسر الكبرياء
خرج أعضاء اللجنة بوجوه شاحبة بعد إشارة حازمة من يحيى. بقيت سلمى وحدها، أنفاسها تتسارع. اقترب يحيى منها ببطء، صرير حذائه الإيطالي الفاخر على الأرضية الرخامية كان يمزق سكون الغرفة. وقف خلفها تماماً وهمس بصوت يشبه فحيح الأفعى
منورة يا بنت الحج رضوان.. الدنيا دارت، والفقير اللي كان بينام على السطوح وبياكل من فضلاتكم، بقى هو اللي بيتحكم في لقمة عيشكم.
التفتت إليه والدموع تجرح كبرياءها
أنا مجيتش هنا عشان أشحت يا يحيى.. أنا جاية بشهادتي وبتعبي.
ضحك يحيى ضحكة مجلجلة خالية من أي مرح
شهادتك بلّيها واشربي ميتها.. أنتي هنا لسبب واحد بس، إنك رهينة. أبوكي الغالي مديون لمجموعتي ب 5 مليون جنيه، وبكرة الصبح فيه محضر حجز على البيت والمحلات.. يعني الحج رضوان هينام على الرصيف هو والست سعاد.. إلا لو.
صمت قليلاً وهو ينظر إلى عينيها المرتعشتين
إلا لو قبلتي تشتغلي مساعدتي الخاصة.. مش موظفة في الشركة، لا.. أنتي هتكوني ظلي، مسؤولة عن كل تفصيلة في حياتي، من أول تلميع جزمامي لحد ما تنظمي لي صفقاتي المشبوهة.. عايز أشوف بنت الحج رضوان وهي بتخدم الحرامي اللي أبوها طرده.
2. دخول عاصم سيف الدين الصراع الخفي
لم يكن يحيى وحيداً في القمة، كان هناك عاصم، ابن عم يحيى وشريكه الذي يكرهه بشدة. عاصم رجل فاسد، له علاقات مشبوهة بتجار سلاح وعقارات. دخل المكتب فجأة بابتسامة صفراء وهو ينظر لسلمى نظرة فاحصة
أهلاً أهلاً.. يحيى باشا لسه فاكر أيام الحارة؟ دي باين عليها التحلية اللي هتحلي بيها صفقاتنا الجاية؟
اشتعلت عينا يحيى بالغضب، لكنه ضبط نفسه وقال ببرود
سلمى موظفة عندي يا عاصم.. ابعد عينك عنها عشان متخسرش اللي باقي لك في الشركة.
3. المهمة الانتحارية الأكشن يبدأ
أول مهمة كلفها بها يحيى كانت انتحارية. طلب منها الذهاب إلى منطقة عشوائية في أطراف القاهرة لاستلام ملفات حساسة من تاجر أراضي يرفض التعامل مع الرجال. كانت فخاً ليختبر شجاعتها.
ذهبت سلمى، وهناك تعرضت لمحاولة اختطاف من قبل رجال عاصم الذين أرادوا الضغط على يحيى. في لحظة درامية، وسط صرخات سلمى وتدافع البلطجية، ظهرت سيارة سوداء بسرعة جنونية.