رحيل الإبن كامله حكايات انجي الخطيب
المحتويات
الجزء الأول
"البيت ده بقى بتاعي يا ست هدى.. لمي هدومك وامشي من هنا قبل ما أغير كوالين الأبواب."
ده اللي قالته لي مرات ابني، صبيحة اليوم اللي دفنت فيه ابني الوحيد.
كنت لسه لابسة الأسود.. عيني ورمت من كتر البكا، وإيدي مابطلتش رعشة.. قلبي كان حاسس إنه اتكسر ميت حتة، ميت حتة أصغر من إن حد يقدر يجمعهم تاني.
ليلتها، كنا لسه مودعين "محمد" لمثواه الأخير.
كان عنده 45 سنة بس.
راجل، شقيان، من نوع الرجالة اللي بيوفوا بوعودهم حتى لو الدنيا جاية عليهم.
التليفون رن الساعة تلاتة وتلت الفجر..
"يا أمي.." همس وصوته كان رايح.. "صدري بيوجعني أوي.. مش قادر أتنفس."
وبعدها.. سكوت.
لما وصلت المستشفى، الدكتور قالي جملة واحدة: "سكتة قلبية مفاجئة".
فاكرة نظرتي لـ "ولاء" مراته وهي قاعدة في صالة الانتظار،
مش حزن.. لا.. ده كان "ارتياح".
قلت لنفسي أكيد بيتهيأ لي، الأم اللي لسه فاقدة ضناها بتشوف الدنيا كلها ضلمة.
بس مطلعش بيتهيأ لي.
أنا بقالي سنتين عايشة مع محمد وولاء.. بعت شقتي الصغيرة في "طنطا" واديتهم كل اللي حيلتي عشان يساعدهم في مقدم الشقة دي في التجمع.. ٤٠٠ ألف جنيه، شقى عمري كله.
محمد وعدني إنه هيردهملي بالراحة.. وأنا عمري ما طلبت منه مليم، ده ابني.
كنت فرحانة إني حاسة بوجودي.. بطبخ، بنضف، بسقي الزرع، وبستنى محمد بشوية شوربة سخنين لما يرجع متأخر من الشغل.
ولاء كانت بتبتسم لما يكون حد غريب قاعد.. كانت تقولي "يا طنط هدى" بصوتها الناعم ده.. لكن لما محمد ميبقاش موجود، نبرة صوتها
في الجنازة، مثلت دور "الأرملة الحزينة" بامتياز.. تعيط لما حد يحضنها، وتوطي صوتها وهي ماشية.. وطول الوقت تقول "أنا لازم أفكر في مستقبلي دلوقتي".
حاولت محكمش عليها.. لحد ما سمعتها وهي بتكلم أختها في المطبخ.
"بفلوس التأمين على الحياة هقدر أسدد الأقساط لفترة طويلة،" ولاء كانت بتوشوش أختها.. "ومن غير الست الكبيرة دي هنا، أخيراً هعرف أتنفس براحتي."
جسمي اتشنج في مكاني.. أختها سألتها: "وهي هتروح فين؟"
ولاء ضحكت.. ضحكة باردة وفاضية.. "دي مش مشكلتي."
وتاني يوم الصبح، أثبتت إنها تقصد كل كلمة.
أدتني مهلة لحد الساعة ستة المغرب أكون برا.
ستة المغرب!
كأني مستأجرة عندها.. كأني غريبة.. كأني ما قدمتش كل اللي ورايا واللي قدامي عشان البيت ده يتبني.
لميت حياتي كلها في تلات شنط وكارتونتين.
قبل ما أمشي، بصيت لولاء وسألتها سؤال أخير:
"هو فيه ميعاد لقراية وصية محمد؟"
ابتسمت كأنها كانت مستنية السؤال ده.
"وإنتي مهتمة تحضري ليه؟" قالتها بمنتهى الجحود.. "محمد ملوش أي سبب يسيبلك حاجة.. إنتي في الآخر كنتي مجرد أمه."
**مجرد أمه.**
الست اللي شالته.. اللي ربته.. اللي أكلته.. اللي شقيت عشانه.. اللي دعت له.. واللي دفنته.
مشيت من غير ما أرد.. إيدي كانت متلجة وأنا ماسكة الدريكسيون ورايحة لأرخص فندق في شارع جامعة الدول.
نمت ليلتها وأنا حاضنة صورة محمد، بسأل نفسي إزاي الحزن ممكن يخلي الإنسان "مشرد"؟
بس اللي ولاء مكنتش تعرفه، إن محمد كان عامل حسابه لكل ده.
من غير دوشة.
متابعة القراءة