سر الطفلة اللي كسر الهيبة حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

بتتسحب بكرسيها لبره، عينيها جت في المراية الكبيرة اللي على باب القاعة، شافت واحدة تانية خالص، واحدة مكسورة، وشها باهت، والغل والندم راسمين تجاعيد مكنتش شايفاها قبل كده. افتكرت في لحظة كل قرش حرام دخل جيبها، وكل دمعة يتيم كانت هي السبب فيها، وعرفت إن الكلمتين اللي البنت همست بيهم ربك مبيسيبش، مكنوش مجرد تهديد، دول كانوا حكم نهائي اتنفذ في وقته وساعته. خرجت مديحة من حياة الأضواء لظلمة الحساب، وسابت القاعة فاضية إلا من ريحة الندم، والدرس اللي الكل اتعلمه بوجع إن الظلم ليله قصير، وإن الحق مهما استخبى ورا جبال من الفلوس، بكلمة من طفل بريء.. يتهد ويبان المستور.
بعد ما القاعة فضيت تماماً، مفيش غير صدى صوت خطوات الأمن وهي بتقفل الأبواب الضخمة، والأنوار اللي كانت مبهرة بدأت تطفي واحد ورا التاني، وكأن الستارة بتنزل على مسرحية فاشلة. بره القاعة، كانت الدنيا بتمطر هدوء غريب، والطفلة كانت واقفة بعيد، باصة للسما بابتسامة صافية، وكأنها شالت
جبل من فوق كتافها. مديحة هانم وهي راكبة عربية الترحيلات، لمحت خيال البنت من الشباك، حست إن البنت دي مكنتش مجرد طفلة، دي كانت رسالة بعتها ربنا في الوقت الصح عشان يفكرها إن الملك لله وحده. ومن اليوم ده، السيرة اللي كانت ملمعة بالذهب بقت عبرة بتتردد في كل مجالس الكبار؛ إن مهما عليت الحيطان، ومهما اتداس على الغلبان، فيه رب بيسمع، وفيه عدل بيوجع، وفيه لحظة حساب بتيجي في عز الضحكة عشان تقلب الموازين وترجع كل حق لصاحبه، لتنتهي حكاية الست اللي افتكرت إنها فوق القانون، بكلمة اتقالت في ودنها.. ورجعتها لأصلها.

ومرت السنين، والقاعة اللي كانت شاهدة على كسر الهانم اتهجرت وبقت جدرانها باهتة زي سيرتها، لكن الحكاية متماتتش. الطفلة دي كبرت، وبقت هي اللي بتدير المؤسسة اللي مديحة هانم حاولت تسرقها زمان، بس المرة دي مكنتش بتديرها بالخوف، كانت بتديرها بالرحمة والعدل اللي اتعلمتهم من اللحظة اللي وقفت فيها قدام الظلم وهي ممعهاش غير يقينها بالله.
أما
مديحة، ففضلت ورا القضبان، بتسمع كل يوم في سكون الليل صدى صوت واحد.. اتنين.. تلاتة، والعد ده مكنش بيخلص، كان بيعد عليها أيام عمرها اللي ضاعت في الباطل. كانت كل ما تغمض عينها تشوف نظرة البنت الصغيرة اللي هزت كيانها بكلمتين، وتعرف إن مفيش حد أقوى من الحق.
وفي يوم، البنت زارت السجن، وقفت قدام مديحة اللي كانت بقت عجوزة وهزيلة، مفيش في عينيها غير الندم. مديحة سألتها بصوت مرعش انتي كنتي مين؟، البنت ردت بابتسامة هادية أنا كنت دعوة المظلوم اللي فضلت تخبط على باب السما لحد ما اتفتح، وأنا النهاردة جاية أقولك إن الحق مبيضيعش، بس الله غفور رحيم للي يتوب بجد. سابتها ومشيت، وفي اللحظة دي مديحة بكت لأول مرة من قلبها، وعرفت إن أكبر سجن هو سجن الذنوب، وإن الحرية الحقيقية بتبدأ لما نرجع حقوق الناس لأصحابها ونخاف من اللي عينه مابتنامش.
ومع آخر دمعة نزلت من عين مديحة، حست بتقل السنين كله بيتحول لراحة غريبة، وكأن الاعتراف بالذنب كان هو المفتاح الوحيد
اللي فاضل عشان روحها تلاقي السلام. البنت وهي خارجة من السجن، بصت للشمس اللي كانت بتميل للغروب، وخدت نفس طويل فيه ريحة النصر والرضا، ولسان حالها بيقول الحمد لله اللي نصرني وأنا ضعيفة.
الحكاية مخلصتش عند مديحة ولا عند البنت، الحكاية بقت حدوتة مصراوية بتتحكي لكل واحد فاكر إن القوة بتدوم، أو إن الضعيف ملوش ضهر. المؤسسة اللي رجعت لأصحابها بقت مأوى لكل يتيم ومحتاج، واتكتب على بابها بخط عريض وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيًّا.
وفي ليلة هادية، مديحة فارقت الدنيا وهي ساجدة، وكأن ربنا قبل توبتها بعد ما ذاقت ذل المعصية وحلاوة الرجوع. والناس لما سمعوا الخبر، ملقوش غير كلمة واحدة تتقال، كلمة بتلخص كل اللي حصل من أول ما البنت فتحت باب القاعة لحد ما الستارة نزلت للأبد يمهل ولا يهمل.. والملك في الآخر وفي الأول لصاحب الملك. وتمت الحكاية بدرس محفور في القلوب، إن الحق له صوت بزلزل الجبال، وإن اللي بيبني على باطل، مسيره يقع.. ولو بعد حين.
تمت
حكايات انجى
الخطيب

تم نسخ الرابط