بسبب طفلة مشردة في ثواني معدودة القناع اللي عاشت بيه سنين وقع قدام الكل .. والكلمة اللي اتقالت في ودنها كانت كفيلة تنهي إمبراطورية جبروتها للأبد.
دخلت طفلة وسط قاعة مليانة بناس واصلة وكبارات.. وفي ثواني خلت أكتر واحدة فيهم مهابة تتهز وتفقد ضحكتها المرسومة. المكان كان مثالي، مزيكا هادية، وشوش متلمعة بالفلوس، وثقة مبالغ فيها في كل نظرة.. مفيش غلطة ولا حد متوقع حاجة تكسر الهيبة دي. وفجأة الباب اتفتح. دخلت بنت صغيرة.. لوحدها، ساكتة، وشكلها غريب وسط الفخامة دي كلها. في الأول مفيش حد اهتم، شوية نظرات استغراب على ضحكات استهزاء من اللعبة اللي دخلت غلط. بس البنت متهزتش، مشيت في خط مستقيم وسط همس الناس ونظراتهم اللي بتقلل منها، وكأنها حافظة الطريق وعارفة هي رايحة فين بالظبط. ووقفت. وقفت قدامها هي.. هوانم القعدة، الست اللي قاعدة على كرسي متحرك بكبرياء ملوش آخر، أناقتها تخطف العين وهيبتها تخلي الكل يعملها ألف حساب. الست بصت لها بابتسامة صفرا وقالت توهتي يا حبيبتي؟. شوية من اللي
واقفين ضحكوا بمجاملة، بس البنت مضحكتش. قربت أكتر، ومدت إيدها مسكت إيد الست القوية، وفي لحظة كل حاجة اتغيرت. متحركيش، البنت قالتها بهدوء غريب، مفيش فيه خوف ولا تردد. وبدأت تعد واحد.... ابتسامة الست بدأت تتهز. اتنين.... القاعة كلها بقت زي القبر، مفيش نفس طالع. تلاتة.... البنت مالت على ودنها وهمست بكلمتين محدش سمعهم غيرها، بس الكل شاف النتيجة.. وفي ثانية واحدة، الست اللي مفيش حد بيقدر يكسر عينها، وشها جاب ألوان وفقدت السيطرة على نفسها تماماً، والبنت قالتلها بصوت واثق سبحان من يعز ويذل، الأمانة اللي سرقتيها من يتيم رجعت لأصحابها دلوقت، والعدل عرف يوصلك يا ست هانم. البنت سابت إيدها وخرجت بنفس الهدوء، والست فضلت مكانها بتترعش والكل بيبص لها بذهول بعد ما القناع وقع.
خرجت البنت من القاعة وسابت وراها بركان من الأسئلة ونظرات الشك اللي بدأت تاكل في هيبة الست مديحة. الست اللي كانت من ثواني هانم المجتمع بقت دلوقتي مجرد واحدة عاجزة بتنهج وصدرها بيعلو ويهبط من الصدمة، عينيها كانت
مبرقة وكأنها شافت ملك الموت، وإيديها اللي كانت ماسكة الشنطة الألماظ بدأت تتنفض. الكل كان مستني رد فعل، كلمة واحدة تنفي بيها اللي حصل، لكن مديحة هانم غابت عن الدنيا، مكنش في ودنها غير صدى صوت البنت وهي بتقول العدل عرف يوصلك. وفجأة، موبايلات الحاضرين بدأت ترن في وقت واحد، إشعارات أخبار وتسريبات قلبت الدنيا برة القاعة؛ مستندات وصور للأمانة اللي ضاعت والظلم اللي استخبى سنين ورا الستائر المخملية. الست مديحة بصت حواليها، لقت الوشوش اللي كانت بتنافقها بدأت تتسحب واحد ورا التاني، والمكان اللي كان مليان أضواء بقى كأنه سجن ضيق بيخنقها. في اللحظة دي، عرفت إن اللي انكسر مش بس ضحكتها، ده عمرها كله اللي بنته على باطل، والطفلة اللي افتكروها تايهة، كانت هي الوحيدة اللي عارفة طريق الحقيقة وسط غابة من الكدابين.
محاولات مديحة هانم عشان تستجمع شجاعتها فشلت تماماً، لسانها اتقل وكأن الكلمة اللي سمعتها كانت قفل على بوقها. الناس اللي كانوا من دقايق بيتسابقوا عشان يلمسوا طرف فستانها، بقوا
دلوقتي بيتهامسوا عليها بنظرات كلها شماتة واستنتاج، والقاعة الفخمة اللي كانت شاهدة على عزها بقت هي هي اللي بتشهد على انكسارها المر. وفجأة، ساد صمت رهيب لما دخل راجل لابس بدلة رسمية، ملامحه صارمة، ووقف قدام كرسيها وقال بلهجة مفيهاش تفاهم مديحة هانم، الحسابات كلها اتكشفت، والنيابة مستنية بره. في اللحظة دي، مديحة بصت للباب اللي خرجت منه البنت، واتأكدت إن القوة اللي كانت فاكرة إنها بتمتلكها مكنتش غير بيت عنكبوت، وإن دعوة اليتيم مفيش بينها وبين ربنا حجاب، والنهاردة كان اليوم اللي الحساب فيه جه قبل الأوان، لتخرج من القاعة وهي مكسورة العين، والكل بيتفرج على نهاية الهانم اللي افتكرت إن الفلوس ممكن تداري ريحة الظلم للأبد.
ومع أول خطوة للشرطة جوه القاعة، انهار كل شيء؛ الحصانة، والاسم، والمنظرة الكدابة. مديحة هانم حاولت تنطق، حاولت تستنجد بأي حد من حبايبها اللي ماليين المكان، بس لقت الكل مديلها ضهره، اللي باصص في موبايله واللي بيوشوش اللي جنبه، وكأنها وباء والكل خايف يتعدي منه.
وهي