كشف السر في ليلة العمر حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

بليالي الطيران فوق السحاب. بصيت لليلى وهي بتركب عربية الزفة، شاورت لي بإيدها وهي طايرة من الفرحة، وفي عينها وعد إن اللي جاي هيكون أحسن.
ركبت عربيتي، حطيت الظرف البني اللي ليلى سابتهولي على الكرسي اللي جنبي. فتحت التقرير وبصيت على اسمي المكتوب بخط رسمي جاف، بس النهاردة كان له رنة تانية خالص.. النقيب طيار نور...
دورت الموتور، وبصيت في مراية العربية على الساعة الميري اللي في إيدي. كانت بتدوي بانتظام، دقة ورا دقة، زي قلبي اللي أخيراً لقى سلامه. مكنتش محتاجة أرجع لبيت أبويا، ولا محتاجة اعتراف منه، أنا كان يكفيني إن لما الدنيا ضلمت في وش أختي، كنت أنا النور اللي رجعها للحياة.
سقت عربيتي في شوارع القاهرة الهادية، وأنا عارفة إن من بكرة، لما هلبس بدلتي وأطلع في السما، هكون طايرة وأنا خفيفة.. خفيفة من الوجع، ومن الماضي، ومن كل كلمة ذل اتقالت في حقي. النهاردة، أنا مش بس بنت فشلت في نظر أبوها، أنا الضابط اللي رفعت راس عيلتها وبلدها، ودي الزفة الحقيقية اللي مكنتش أحلم بيها.
وصلت قدام بيتي البسيط، ركنت العربية ونزلت، بس قبل ما أدخل، وقفت لحظة وبصيت للسما. النجوم كانت صافية أوي النهاردة، كأنها بتبارك لي بطريقتها.
فتحت الظرف البني تاني وطلعت منه الورقة، لمست بأطراف صوابعي الختم الميري.. مكنتش مجرد ورقة، دي كانت صك غفران لكل السنين اللي عشتها وأنا حاسة إني منبوزة. فجأة، لقيت موبايلي بيرن.. كان رقم أبويا.
سيبته يرن.. مرة، واتنين، وتلاتة.
في المرة الرابعة فتحت السبيكر وما نطقتش ولا كلمة. سمعت صوت أنفاسه المكتومة، كان بيحاول يتكلم بس صوته كان متقطع ومكسور، قال بوشوشة نور.. أنا.. أنا عمري ما تخيلت إنك أنضف مننا كلنا كده. أنا قفلت في وشك الأبواب، وإنتي فتحتي لأختك
باب الحياة.. سامحيني يا بنتي.
رديت عليه بكل هدوء، وهدوئي ده كان أقوى من أي زعيق المسامحة دي حاجة بينك وبين ربنا يا بابا.. أنا من ناحيتي، خلاص، مابقتش مستنية منك حاجة. أنا النهاردة دفنت البنت الضعيفة اللي كانت بتترجاك تحبها، وروح تانية اتولدت.. روح مابتحنيش ضهرها غير لخالقها.
قفلت السكة قبل ما يلحق يرد. دخلت شقتي، خلعت الفستان اللي كان حاسساه قيد، وفتحت الدولاب.. بصيت لبدلتي الميري، مكوّية وناشفة ومستنياني. لمست الرتب اللي على كتفي، وابتسمت.
بكرة عندي طلعة طيران الفجر.. بكرة هكون في مكاني الحقيقي، فوق السحاب، بعيد عن حقد النفوس وضيق القاعات الفخمة. هناك، مفيش ترابيزة ٢٢ ولا فيه ضيفة العروسة.. هناك أنا صقر بيحمي كل اللي نايمين في بيوتهم وهما مطمنين، حتى اللي ظلموني منهم.
نمت الليلة دي أعمق نومة نمتها في حياتي، وصحيت على صوت المنبه.. لبست لبسي، وبصيت في المراية لآخر مرة.. مكنتش شايفة خيبة أمل، كنت شايفة نور.. الاسم اللي على مسمى، واللي أخيراً شق عتمة السنين ونوّر حياتها وحياة اللي بيحبوها.
نزلت السلم بخطوات ثابتة، صوت البيادة على الأرض كان بيطمن قلبي أكتر من أي كلمة تشجيع. وصلت المطار والجو لسه فجر، الهوا بارد ومنعش، وريحة وقود الطيارات اللي بعشقها كانت بتملا صدري.
قائد السرب بتاعي كان واقف، بص لي بابتسامة غريبة وقال يا نور، الخبر وصل.. التقرير اللي اتفتح في الفرح النهاردة كان عندي علم بيه، بس كنت مستني اللحظة اللي حقك يرجعلك فيها قدام عيلتك.
سألته باستغراب يعني حضرتك كنت عارف إن ليلى هي اللي كانت في العربية؟
هز راسه وقال إحنا بنعرف كل حاجة عن أبطالنا يا نور، بس البطولة الحقيقية مكنتش في إنقاذ أختك بس، البطولة كانت في صمتك ١٥ سنة وإنتي شايلة الوجع
لوحدك.. مبروك يا بطلة، النهاردة طلعة طيرانك مش عادية، النهاردة إنتي طالعة برتبة رائد.. القرار صدر رسمياً.
الدموع اللي حبستها طول الفرح وطول السنين، نزلت دلوقتي.. بس كانت دموع نصر. ركبت كابينة الطيارة، ربطت الحزام، وبدأت أجهز للمحرك. ومع أول لحظة طيران، وأنا برفع مقدمة الطيارة وبشق السحاب، بصيت للأرض من فوق.. شوفتها صغيرة أوي، أصغر من كل المشاكل، أصغر من كل الإهانات، وأصغر من ترابيزة ٢٢.
من فوق، الدنيا بتبان على حقيقتها، مفيش فروق بين غني وفقير، مفيش حد يقدر يذلك أو يكسر عينك. رفعت طيارتي لأعلى نقطة، وصرخت بكل قوتي وسط صوت المحرك أنا طرت يا ليلى.. أنا طرت بجد!
في اللحظة دي، عرفت إن ليلى مكنتش هي اللي محتاجة إنقاذ في الترعة من ٧ سنين.. أنا اللي كنت محتاجة أنقذ نفسي من سجن رأي أبويا فيا، والنهاردة، وبمساعدة أختي، قدرت أتحرر للأبد.
رجعت من طلعتي، والشمس كانت طلعت ونورت الدنيا، بالظبط زي ما نورت جوايا. نزلت من الطيارة، ولقيت رسالة من ليلى على موبايلي نور، البيت منور بيكي النهاردة، وماما مرات أبوكي سابت البيت ومشيت، وبابا قاعد لوحده وبينده باسمك.. بس أنا قولتله إنك دلوقتي فوق، في مكان عالي أوي، مبيوصلوش غير اللي قلوبهم بيضا زيك.
ابتسمت وقفلت الموبايل، ووشوشت لنفسي السموات هي حدودي يا نور.. والوجع خلاص بقى أرض محروقة ورايا.
مشيت وسط المطار بخطوات واثقة، وكل زميل بقابله كان بيبص لي بنظرة احترام جديدة، نظرة فيها تقدير للي حصل، كأن القصة مقتصرتش على القاعة وال ٢٥٠ ضيف، دي وصلت لكل واحد عرف يعني إيه
تضحية وإنكار ذات.
روحت مكتبي، لقيت بوكيه ورد أبيض كبير محطوط على المكتب، ومعاه كارت صغير مكتوب فيه بخط مكسور للرائدة نور.. شرف العيلة الحقيقي. أنا كنت أعمى، والنهاردة
بس بدأت أشوف. لو لسه فيه مكان للسماح، أنا مستنيكي... كان من أبويا.
بصيت للورد وشميت ريحته، مكنتش حاسة بالكره، بس مكنتش حاسة بالضعف القديم اللي يخليني أجري عليه. شيلت الكارت وحطيته في درج المكتب، وقفلت عليه.. مش انتقاماً، بس عشان أعرفه إن فيه حاجات في الحياة مبترجعش بكلمة، وإن الكرامة زي الطيارة، لو وقعت، صعب ترجع تطير بنفس القوة.
فجأة، الباب خبط، ودخلت ليلى وهي لسه بجمالها ورقتها، بس لابسة لبس خروج شيك، ومعاها جوزها. جريت عليا وحضنتني، وقالت وهي بتضحك قلت لازم أول يوم ليكي برتبة رائد أكون أول واحدة أبارك لك في مكانك.
بصيت لها وقلت إنتي اللي عملتي كل ده يا ليلى، إنتي اللي فتحتي الظرف قدام الكل.
ردت بذكاء أنا بس شيلت الستارة يا نور، لكن النور كان موجود من زمان، بس هما اللي كانوا مغمضين عينيهم.
قضينا اليوم مع بعض، وحسيت إن العيلة مش بالدم بس، العيلة بالمواقف، وباللي يسندك وإنت في قاع الترعة، مش اللي يذم فيك وإنت على ترابيزة الفرح.
لما الشمس بدأت تغيب، روحت قعدت على سور المطار، بصيت للطيارات وهي بتهبط بسلام.. وفي اللحظة دي، قررت إني هعيش لنفسي، ولشغلي، ولأختي اللي حبتني بجد.
أبويا حاول يتصل تاني، بس المرة دي مكنتش محتاجة أرد ولا أهتم.. أنا بقيت في منطقة حظر طيران بعيد عن سمومهم.
ودلوقتي، وأنا بكتب مذكراتي في آخر اليوم، كتبت جملة واحدة في نص الصفحة
العدل ممكن يتأخر، والظلم ممكن يعلي صوته، بس في الآخر.. مفيش سحابة تقدر تخبي الشمس للأبد، وأنا النهاردة، بقيت أنا الشمس.
انتهت الحكاية بانتصار الروح على الكسر، وبقت نور رمز لكل بنت اختارت طريقها بكرامة، وعرفت إن البدلة اللي بتلبسها مش مجرد قماش، دي درع بيحميها من غدر الزمن.. حتى لو كان الغدر ده جاي من أقرب
الناس.
تمت
حكايات انجى الخطيب

تم نسخ الرابط