هـدية من القـلب كاملة حكايات انجي الخطيب

لمحة نيوز

الجزء الأول خيط الغلابة.. ودهب الأكابر
أنا روحت لمرات أخويا وفي إيدي هدية تعبت فيها شهور.. بطانية بيبي غزل يدوي، بكل حب الدنيا قدمتها لها، لكنها رمتها في وشي قدام الكل وقالتلي ده مكانه الزبالة!.. بس في اللحظة دي، أبوها نفسه وقف قدام الناس كلها وقلب الطاولة عليها! 
إنتي بجد كنتي فاكرة إني هغطي بنتي بحتة القماش دي؟ ده شغل هاند ميد بيتي، إيه القرف ده! 
دي كانت كلمات مريم قدام المعازيم كلهم، وهي ماسكة هديتي بصوابعها كأنها شايلة كيس زبالة. بس عشان أفهمكم إزاي وصلنا للهوان ده، لازم نرجع بالزمن كذا أسبوع لورا.. وقت ما كنت لسه فاكرة إن الحب والنية الطيبة كفاية عشان يقرّبوا المسافات بين الناس.
أنا طول عمري من النوع اللي بيوطي صوته عشان ميضايقش حد.. اللي ببتسم وقلبي موجوع.. اللي ببلع الإهانة عشان مخربش الدنيا. عشان كده اللي حصل في السبوع بتاع مريم كسرني بجد؛ مش بس عشان قسوة كلامها، لا، عشان حسيت إن كرامتي اتدبحت قدام ناس شيك أوي، ريحتهم براندات، وعيونهم مجهّزة عشان يحكموا على اللي زيي وبس.
قبل الحفلة بتلات أسابيع، كنت قاعدة في أوضتي الصغيرة في شقتنا المتواضعة في حي القلعة. كنت محوشة من ماهيتي بقالي شهرين عشان أشتري صوف مرينو

أصلي، ناعم زي الحرير، ألوانه هادية بين السكري واللبني ولقطة بسيطة من الموف. كنت عاوزة أعمل بطانية مميزة لابن أخويا محمود. مش حاجة تشتريها وتخلصي واجب، لا، حاجة معمولة بالوقت، بالصبر، وبالحنية بجد.
ستي فطيمة الله يرحمها هي اللي علمتني الكروشيه والتريكو وأنا عندي 12 سنة. كانت بتقول لي يا بنتي، كل غرزة بتعمليها هي نية بتزرعيها، والإيد بتشيل اللي اللسان مبيعرفش ينطقه. ومن ساعة ما ماتت، وبقى الشغل ده هو طريقتي في التعبير عن حبي للناس. وعشان كده لما محمود كلمني وصوته بيترعش من الفرحة وهو بيقولي إنه هيبقى أب، كنت عارفة فوراً هديتي هتكون إيه.
في وسط المكالمة، سمعت صوت مريم في الخلفية وهي بتقول بحزم
قوله ميكررش هدايا، ليستة الطلبات موجودة في تلات محلات كبار في الزمالك، عشان ميبقاش فيه لخطبة!
مريم طول عمرها كده، كلامها أوامر. جاية من عيلة غنية جداً، أبوها باشا من بتوع زمان، إسماعيل بيه المنشاوي، صاحب سلسلة فنادق ومنتجعات سياحية واسم يهز الأرض. هي كانت عايشة في عالم تاني.. برانشات وماركات، والقاموس بتاعها مكنش فيه غير كلمتين يا واو يا بيئة. ومن ساعة ما اتجوزت أخويا، محمود بدأ يتغير.. بطل يجيلنا فجأة ببيتزا وفيلم قديم، بقى يعتذر عن كل حاجة،
وبقى يلبس كأنه رايح انترفيو كل ما يخرج، وضحكته مابقتش تطلع من القلب.
يا ليلى، مريم ستايلها عالي شوية، وهي بتساعدني أطور من نفسي ده كان رده عليا لما واجهته.
سكت وقتها، بس قولت في بالي فرق كبير بين إنك تطور نفسك، وبين إنك تمسح شخصيتك عشان حد ميبصش عليك من فوق لتحت.
رغم كل ده، فرحت بالحمل. قولت البيبي هيلين القلوب، ومريم هتبقى أحن، وهكون أنا العمة القريبة اللي بتجيب هدايا وكتب وحكاوي.
كل يوم بعد الشغل، كنت أقعد أشتغل في البطانية على كرسي ستي الهزاز. خطيبي طارق كان بيعملي الشاي ويقعد يتفرج عليا بإنبهار ويقولي
إنتي بتحطي روحك في الخيط ده يا ليلى.
ده اللي أنا عاوزاه يا طارق، عاوزة محبتي تبان في كل غرزة.
وفعلاً، البطانية كانت تحفة.. رسمة شجر رقيقة وإطار مموج. مكنتش سهلة خالص، فكيتها وعدتها عشر مرات عشان غلطة ملي، وسهرت ليالي وعيوني حمرا عشان تطلع مظبوطة. ولما خلصتها وغسلتها بالراحة وبخرتها، حسيت بفخر مبيتحسش بيه غير اللي بيصنع الجمال بإيده.
غلفتها في علبة بيضاء بسيطة، بشريط ستان أوف وايت.. حاجة هادية وشيك، من غير بهرجة كدابة.
يوم السبوع كان في فيلا المنشاوي في التجمع. قصر وجنينة ممتدة، ورد في كل حتة، وشغالات بالزي الرسمي، وطابور عربيات
فارهة خلاني أتكسف وأنا بركن عربيتي ال سوزوكي القديمة بعيد. كنت لابسة أشيك فستان عندي، اشتريته في تصفيات من كام سنة، بس هناك وسط الحرير والألماظ، حسيت إني غريبة.
مريم كانت في نص الجنينة بفستان حمل أبيض تمنه أكيد يساوي إيجار شقتي لسنة قدام. محمود كان واقف جنبها بابتسامة باهتة، ولما شافني حضني بجد وقال نورتي يا ليلى.
وقبل ما أرد، مريم بصت لي من فوق لتحت وشاورت بصوابعها على تربيزة ضخمة مليانة هدايا
حطيه هناك يا ليلى لو سمحتي.
علبتي تاهت وسط شنط الماركات والعلب اللي عليها لوجو دهبي وفيونكات أكبر من راسي. حاولت أقنع نفسي إن المهم اللي جوه العلبة مش اللي براها.
عدى اليوم، ألعاب وصور وضحك مرسوم. وأنا كنت واقفة على جنب، لحد ما إسماعيل بيه أبوها قرب مني وسلم عليا بمنتهى الذوق واللطف.
محمود بيكلمني عنك كتير، بيقول إنك أنقى حد في العيلة.
معرفتش أرد، وحسيت إني عاوزة أعيط عشان بس فيه إنسان في المكان ده شافني بجد.
وجه ميعاد فتح الهدايا..
واحدة ورا التانية، مريم تفتح وتتصور شنط بيبى مستوردة، عربيات أطفال ماركة عالمية، أطقم دهب ولولي.. والكل يسقف ويبهر بالأسعار، كأننا في مزاد مش في فرحة مولود.
لحد ما جت علبتي.. كانت آخر واحدة.
لما مريم مسكتها،
الجنينة كلها سكتت وعيون الناس
تم نسخ الرابط