في الثالثة فجرا بقلم انجي الخطيب
اللي كان بيلازمها. أما ياسين، فخسر كتير من هيبته، وفهم إن البيوت أسرار أه، بس الظلم ملوش ساتر.
كنت قاعدة في بلكونتي، نهى جاتلي وجابت ورد، وقعدنا نشرب القهوة في هدوء.
شكراً يا ماما، لولاكي كنت لسه تحت الدش.
يا بنتي، ربنا جعلني سبب، بس إنتي اللي كان عندك القوة إنك تقولي لأ.
الحق مبيجيش بالساهل، بس لما بيجي، بيغسل الروح زي المية النضيفة، وبيرجع لكل واحد قيمته. البيوت اللي متبنية على الخوف بتقع، والبيوت اللي متبنية على المودة هي اللي بتعيش
الشهور اللي بعد الطلاق كانت هي الاختبار الحقيقي. ياسين حاول بكل الطرق يكسرها ماديًا، قفل حساباتها، وحاول يمنع أصحاب المدارس إنهم يشغلوها، بس الحق كان أقوى. نهى اشتغلت في مدرسة بسيطة في الأول، ورجعت تبني نفسها من الصفر، بكرامة وعزة نفس كانت نسيراهم من سنين.
ياسين جالي البيت مرة أخيرة، كان باين عليه الهلاك، القلق أكل من صحته وشكله. قعد قدامي وحط راسه بين إيديه وقال بصوت واطي
هي ليه مش راضية تسامح يا أمي؟ أنا بعتلها رسائل ندم، وعرضت عليها أرجع لها كل دهبها وأكتر.
بصيت له وقلت له الكلمة اللي كان لازم يسمعها من زمان
يا ابني، فيه كسر مبيصلحهوش الفلوس. إنت كنت بتغرقها وهي غرقانة في حبك، والوجع اللي بيجي من القريب مبيتمحيش بجرة قلم ولا بشيك بنكي. اطلب السماح من ربنا الأول، ورد الحقوق لأصحابها من غير شروط، يمكن قلبها يحن يومًا ما، بس متستناش إنها ترجع للسجن تاني.
ياسين مشي وهو جره أذيال الخيبة، وعرفت إنه بدأ يفهم يعني إيه دعوة المظلوم.
نهى كملت طريقها، وبقت مدرسة متميزة، وفتحت بيت صغير مليان هدوء ونور. مكنتش بتقطع معايا، كانت بتجيلي كل جمعة، تقبل إيدي وتقولي إنتي اللي أنقذتي ديني ودنيتي يا ماما.
وفي يوم جمعة، وإحنا قاعدين في الجنينة، شافت ياسين داخل من بعيد، بس المرة دي مكنش جاي يزعق ولا يهدد. وقف بعيد، نزل راسه في الأرض ومشي. نهى بصت لي وقالت
أنا سامحته يا ماما.. مش عشان هو يستاهل، بس عشان قلبي يستاهل يعيش نضيف من غير كره.
ابتسمت وطبطبت على إيدها. البيوت اللي بتتبني على المودة والرحمة هي اللي بتدوم، واللي بيغلط لازم يدفع التمن، بس في النهاية، والعافين عن الناس ليهم أجر عظيم عند ربنا.
قصتنا خلصت هنا، بس دروسها لسه عايشة.. إن الست غالية، وإن الأم ميزان، وإن الظلم مهما طال، آخره معروف.
بعد سنين، الدنيا دارت ووضحت مين اللي كسب في الآخر. ياسين اتجوز مرتين بعد نهى، وفي كل مرة كانت الجوازة بتفشل في أقل من سنة، لأن اللي زيه مش بيدور على شريكة، كان بيدور على ضحية يفرض عليها سيطرته، بس الستات مابقوش يقبلوا بالذل زي زمان، والسمعة اللي كان خايف عليها بقت سيرة على كل لسان في الكومباوند وفي الشغل.
وفي ليلة، جالي البيت وكان مكسور بجد، شعره شاب وبان عليه العجز وهو لسه في الأربعينات. قعد على الكرسي وبدأ يعيط زي العيل الصغير.
يا أمي، أنا وحيد.. الفلوس والشركة والشقق
بصيت له بحسرة الأم، بس المرة دي مكنش فيه ضعف
عشان يا ابني عمر ما القسوة جابت حب، وعمر ما الكسر جاب أمان. إنت اللي اخترت تعيش في برج عالي وتبني حواليك سور من الخوف، وفي الآخر السور ده هو اللي حبسك عن الناس.
في نفس الوقت، نهى كانت بدأت تدرس ماجستير، وشخصيتها بقت أقوى وأجمل بكتير. في يوم جاتلي ومعاها خبر جميل، قالتلي إن فيه مدرس زميل لها، راجل محترم وبيهاب ربنا، طلب إيدها، وإنه موافق إنها تفضل بارة بيا وتزورني كأني والدتها.
يوم فرحها، كنت أنا اللي واقفة مكان أمها. شفتها وهي بالستان الأبيض، وشها منور مش من الميكب، لكن من السكينة اللي ربنا رزقها بيها. بصيت لياسين اللي كان بيراقب من بعيد بحزن، وقلت في سري البيوت أمانات، ومين خان الأمانة، ربنا بيعوض المظلوم بأحسن منها.
ياسين فضل عايش في شقته الغالية، بس الروح اللي فيها كانت ميتة. أما أنا ونهى، فضلنا سند لبعض، وعرفت وقتها إن الأمومة مش بس إنك تخلفي ابن، الأمومة إنك تقفي في وش ابنك لو غلط، وتنتصري للحق حتى لو على قطعة من قلبك، عشان تقابل ربنا بوش أبيض وضمير مرتاح.
العدل مش بس في المحاكم، العدل الحقيقي هو اللي بنزرعه في قلوبنا وبنحمي بيه الضعيف، ونهى دلوقت عندها بيت متبني على وجعل بينكم مودة ورحمة، وده كان المخرج الوحيد اللي كنت ببنيه لها من ليلة 3 الفجر.
مرت الأيام، وياسين بقى مجرد طيف في حياتنا،
رحت له المستشفى، لقيت نهى واقفة على الباب ومعاها جوزها، جايبين ورد وداخلين يطمنوا عليه. ياسين أول ما شافها، غطى وشه بإيده وبكى بحرقة، كأنه طفل تاه من أمه. نهى قربت منه وقالتله بكلمتين لخصوا كل اللي فات
أنا جيت النهاردة عشان ميبقاش بيني وبين ربنا خصومة، أنا سامحتك
لوجه الله، وعايزة أموت وقلبي مفيهوش ذرة كره ليك ولا لغيرك.
ياسين بصلي وعينه بتترجى السماح، طبطبت على إيده وقلتله
التوبة بابها مفتوح يا ابني، بس الحقوق لازم ترجع. النهاردة إنت عرفت إن الدنيا سلف ودين، وإن الست اللي كنت بتذلها هي اللي جاية بقلب أبيض تطمن عليك في ضعفك.
خرجنا من المستشفى، والشمس كانت بتغيب وبتعلن نهاية يوم طويل وبداية حياة أهدى. نهى رجعت لبيتها ولحياتها، وأنا رجعت لبيتي وأنا حاسة إني وفيت أمانتي قدام ربنا. علمت ابني الدرس الأخير بوجع، وأخدت بإيد بنتي اللي مخلفتهاش لبر الأمان.
الستر مش بس جدران وسقف، الستر هو إننا نحمي بعض، ونخاف ربنا في بعض. والقصة اللي بدأت بصرخة مكتومة تحت مية الدش، انتهت بدعوة صافية تحت سما الله.. إن ربنا يهدي كل قاسي، وينصر كل مظلوم، ويجعل بيوتنا كلها عمرانة بالمودة والرحمة.
وكده قفلت صفحة الماضي، وفتحت صفحة جديدة مفيهاش غير السلام.
تمت
بقلم انجي الخطيب