القيصـر وهاربـة القصـر كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب
المكالمة جاتله قبل نص الليل بدقايق.
عمر الألفي كان واقف لوحده في مكتبه في الدور الأخير من شركته في المعادي، بيفك كرافتته بعد يوم شغل طويل ومجهد، لما موبايله بدأ يهز على المكتب الإزاز.
رقم غريب.
بقلم انجي الخطيب
في وقت زي ده، الطبيعي إنه يتجاهله.
بس فيه إحساس غريب خلاه يرد.
صوت الست على الناحية التانية كان مقطوع ونفسها سريع
أستاذ عمر؟ حضرتك جوز المريضة؟ مدام حضرتك لسه والدة حالا، بس حالتها حرجة جداً.. لازم تيجي مستشفى سان رافائيل فوراً عشان تمضي على ورق جراحة طارئة.
عمر اتسمر في مكانه، وصوته بقى حاد وزي الثلج
مراتي؟.. أنا مش متجوز أصلاً.
حصلت لحظة صمت، وبعدها الدكتورة ردت
يا فندم اسم حضرتك مكتوب في السجل كقريب الدرجة الأولى والمسؤول عنها.. الحالة بتنزف ومحتاجينك هنا حالاً.
الخط قطع.
لثواني، عمر فضل واقف في نص مكتبه الفخم، ضاغط على الموبايل لدرجة إن صوابعه ابيضت.
مرات مين؟
هو عمره ما دخل دنيا، ولا حتى خطب.
مصر كلها، ورجال الأعمال في القاهرة عارفين مين هو عمر الألفي. شاب، غني، صاحب نفوذ، وقبل كل ده.. غامض. راجل بنى إمبراطورية قبل ما يوصل للأربعين، وعمره ما سمح لحد يقرب منه أو يعرف هو مخبي إيه.
لا حبيبة.. ولا خطيبة.. ولا زوجة.
وفجأة، في نص الليل، مستشفى بتكلمه وتقوله إن مراته ولدت!
لو دي مقلب،
حس برعشة غريبة في ضهره. أخد مفاتيح عربيته، ونزل للجراج، وطار بالعربية في شوارع القاهرة الفاضية في اتجاه المستشفى.
طول الطريق، الأسئلة كانت بتخبط في دماغه زي المطارق.
مين الست دي؟
وليه استعملت اسمه هو بالذات؟
ومين أب الطفل اللي ولدته؟
وليه حاسس في أعماقه إن الموضوع مش مجرد غلطة في الأسماء؟
بعد ربع ساعة، فرمل قدام باب المستشفى ودخل بخطوات سريعة وسط ريحة المطهرات وصوت سراير الطوارئ اللي بتجري.
دكتورة شابة شافته عند الاستقبال
أستاذ عمر الألفي؟
أيوه، أنا.
اتفضل معايا بسرعة.. المريضة فقدت دم كتير بعد الولادة، ومحتاجين إمضاء حد من أهلها فوراً عشان العملية.
عمر وقف مكانه وقال بصوت واطي ومرعب
قبل أي حاجة.. قوليلي هي مين؟
الدكتورة ترددت ثانية، وبعدين ادتله ملف المريضة
دي البيانات اللي هي سجلتها لما دخلت.
عمر بص في الورقة.. وفي لحظة، الدنيا لفت بيه.
في خانة اسم المريضة، كان مكتوب بخط واضح
ليلى مراد.
الملف كان هيقع من إيده.
ليلى مراد.
الاسم ده شق سنين الصمت اللي عاشها زي السكينة.
دي مش غريبة.. دي الست الوحيدة اللي عمر حبها بجد.
الست اللي اختفت من حياته من غير ولا كلمة، في نفس اليوم اللي كان ناوي يطلبها فيه للجواز من تمانية سنين.
دَوّر
انجي الخطيب
ودلوقتي، هي هنا.
في مستشفى.
بتحارب الموت بعد ما ولدت.. ومسجلاه هو جوزها.
لأ.. عمر همس وهو باصص للاسم، مستحيل.
بس الاسم قدامه.. حقيقي، وقاسي.
الدكتورة قربت منه يا فندم مفيش وقت.. لو استنينا أكتر من كده ممكن نفقدها.
عمر كز على سنانه.
جزء منه كان عايز إجابات، وجزء كان عايز ينكر كل حاجة ويمشي.. لأن ليلى هي اللي دمرته زمان.
بس فجأة، من ورا أبواب العناية المركزة، سمع صوت.
صوت عياط طفل مولود.
صوت ضعيف، واهن، كأنه بيحاول يتمسك بالحياة.
عمر غمض عينيه، ولما فتحهم كان صوته اتغير
هاتي القلم.
مضى على الإقرار بقوة لدرجة إن القلم كان هيقطع الورقة.
وقال بلهجة آمرة كل المصاريف على حسابي.. عمليات، أدوية، رعاية مركزة، غرفة خاصة.. كل حاجة. انقذوها هي واللي معاها مهما كان التمن.
الدكتورة هزت راسها وجريت على جوه.
عمر فضل لوحده في الطرقة، ماسك الملف كأنه ماسك حطام ماضيه.
ليلى مراد.. اللي علمته يعني إيه حب، وعلمته برضه يعني إيه كسر قلب.
ودلوقتي ولدت؟
طفل؟
طفل اتولد وهي كاتبة اسمه هو في خانة الأب والزوج؟
عمر اتلفت ناحية أبواب العناية، وفكرة مرعبة خطرت على باله
يا ترى الطفل ده.. ليه علاقة بيا؟
مرت ساعات طويلة قبل ما الدكتورة تخرج
العملية تمت بنجاح.. هي دلوقتي بره خطر الموت، بس لسه ضعيفة جداً. فاقت لثواني قبل ما تغيب عن الوعي تاني.
عمر قلبه انقبض قالت حاجة؟
الدكتورة بصتله بتركيز سألت سؤال واحد بس.
إيه هو؟
سألت هو عمر جه؟
في اللحظة دي، عمر حس بحاجة جوا قلب جامد زي الصخر بتتحطم.
في نفس الوقت، ممرضة عدت وهي شايلة طفل لسه مولود، ملفوف في بطانية بيضا.
وشه صغير، وبشرته وردية، وعينيه مقفولة، وإيده بتتحرك بضعف في الهوا.
الممرضة وقفت تحب تشوفه يا فندم؟
عمر لف وشه.. وأول ما شاف ملامح الطفل، نفسه انقطع.
رسمة المناخير..
تكوين الجبهة..
خط الشفايف الرفيع..
الملامح كانت نسخة منه، لدرجة إن الدم جمد في عروقه.
عمر وقف متسمر، وإيده اتفتحت واتقفلت ببطء.
في اللحظة دي، فهم حقيقة واحدة ومرعبة
دي مش غلطة.. ولا دي صدفة.
ده سر مدفون من تمانية سنين، وقرر أخيراً يخرج للنور.
وليلى مراد، اللي نايمة جوه غايبة عن الوعي، هي الوحيدة اللي عندها الرد على السؤال اللي بيصرخ جوه صدره
إنتي اختفيتي ليه زمان.. والطفل ده ابن مين بالظبط؟
الجزء الثاني مواجهة الماضي
مرت الليلة على عمر الألفي وكأنها سنين. فضل واقف قدام حضانة الأطفال، عينه مش متبتة غير على الطفل اللي بيحمل ملامحه بالحرف. كان حاسس بزلزال جوا قلبه؛ إزاي سابتني؟ وليه رجعت دلوقتي؟
الشك بدأ