حفدتي والمجهول بقلم انجي الخطيب
لقيت حفيدتي اللي مكملتش تمن سنين بتدور في وسط زبالة المطاعم اللي ورا المول في التجمع. لثانية واحدة قلبي وقف، ومكنتش مصدقة إن دي هي. البنت كانت خاسة النص، والقميص النص كم اللي كانت لابساه بقى مدلدل عليها كأنها لابسة هدوم حد غيرها، وركبها كانت مليانة طين وسواد، والكوتشي بتاعها مقطوع ومطلع صوابع رجليها. أول ما سمعت صوتي لفت، وشوفت المنظر اللي هد حيلي؛ كدمات زرقاء ومخضرة في دراعاتها، وعلامة صفراء عند رقبتها باين إنها قديمة.
ليلى؟ ندهت عليها وصوتي بيترعش. هي اتخضت ووقفت مكانها، وفي إيدها لقمة عيش ناشفة كانت لسه بتسند بيها جوعها، وبصتلي بذهول وهمست تيتة؟.
رميت شنطتي في الأرض وجريت عليها خدتها في حضني، ولما قربت منها المنظر كان يقطع القلب أكتر، شفايفها مشققة ومدممة، ووشها مسحوب وشاحب، وكان فيه دم ناشف تحت ضوافرها كأنها كانت بتحفر في الأرض. أول ما لمست كتفها، البنت اتنفضت من الخوف لدرجة إني كنت هصرخ من المنظر. حاولت تمثل إنها قوية، أصل الأطفال بيعملوا كدة لما الكبار بيخيبوا أملهم كتير، بس في لحظة وشها انهار وبكت بحرقة وهي بتقول يا تيتة.. جسمي واجعني أوي.
مستنيتش لحظة، أخدتها على العربية ولفيتها بالشال بتاعي وطلعت بيها على أقرب مستشفى طوارئ قبل ما
طلعت في الطرقة وطلبت بنتي نيرمين تلات مرات، لغاية ما ردت فيديو كول. كانت لابسة نضارة شمس براند وقاعدة قدام بيسين، وجوزها شريف كان واقف وراها في الشمس ومعاه كاس. فيه إيه يا ماما؟ قالتها بزهق. رفعت الموبايل وخليتها تشوف ليلى وهي نايمة على سرير الكشف وقلت لها بصوت مخنوق أنا لقيت بنتك بتشحت أكل من الزبالة.
نيرمين نفخت بملل وقالت يا يووه يا ماما، هو إحنا هنرجع للموال ده تاني؟. صرخت فيها موال إيه؟ البنت بتموت من الجوع!. شريف قرب من الكاميرا وهو متغاظ وقال يا طنط إحنا في مارينا بنصيف، متوجعيش دماغنا بدراما ليلى وتنكيتها. جسمي كله سقع من كلامهم، قلتلهم البنت جسمها كله أزرق ومتبهدل. نيرمين ضحكت ببرود وقالت طيب ما هي اللي مابتفهمش وكل شوية تقع، علميها تمشي عدل.
الدكتور اللي كان واقف ورايا اتصدم من اللي سمعه، وأنا بكل هدوء قلتلها ارجعي يا نيرمين حالا. بنتي قلعت النضارة وبصت للكاميرا
الدنيا لفت بيا، والدكتور قرب مني وقال بصوت واطي يا مدام، إحنا لازم نبلغ نجدة الطفل وحقوق الإنسان، الحالة دي فيها شبهة جنائية. ليلى فجأة قامت من على السرير وصرخت بهستيريا لا! أبوس إيديك يا تيتة متخليهمش يرجعوا!. صوتها كان بيزلزل المستشفى، جريت عليها أهديها، بس لقيتها مش بتبصلي، كانت مبرقة لشاشة التليفزيون اللي في الطرقة.
خبر عاجل كان لسه نازل.. حريق ضخم في قرية سياحية في مارينا.. تفحم فيلا بالكامل.. وفيه اتنين مفقودين. وعلى الشاشة، وسط الدخان والصور المشوشة اللي بتعرضها القناة للفيلا المحروقة، كانت صورة بنتي وجوزها وهما بيجروا في وسط النار. كنت فاكرة إني بنقذ حفيدتي من إهمال أهلها، مكنتش أعرف إن البنت كانت بتهرب من حاجة سودة أوي.. وإن حريقة مارينا دي مكنتش غير أول خيط في المصيبة اللي أهلها كانوا ناويين يرجعوا بيها.
نيرمين وشريف مظهرش ليهم أثر، والشرطة هناك قلبت الدنيا عليهم. مكنتش عارفة المفروض أزعل على بنتي اللي النار أكلت مكانها، ولا أفرح إن ليلى بقت في حضني بعيد عن قسوتهم. بس ليلى كانت لسه بتبص للشاشة ورعشة جسمها بتزيد، مكنتش بتعيط،
الدكتور سحبني لبره الأوضة وقاللي بلهجة حازمة يا مدام، الموضوع مش مجرد سوء تغذية، البنت عندها فوبيا من حاجة معينة، وكلامها عن إنهم ميرجعوش قلقني.. أنا بلغت فعلاً والشرطة زمانها هنا. مكملش الكلمة ولقيت ظابط داخل المستشفى، سأل عن الحالة وبدأ يسجل البيانات، وأنا قاعدة مشلولة، الموبايل في إيدي عمال يجيلي عليه رسايل وصور من الجروبات عن حريقة مارينا، وصورة شريف ونيرمين وهما بيتحملوا في الإسعاف جثث هامدة.
بصيت لليلى من ورا زجاج الأوضة، لقيتها بدأت تهدى، بس ملامحها اتغيرت تماماً أول ما الظابط قرب منها. سألها براحة يا ليلى، إيه اللي حصل في جسمك ده؟ بابا وماما عملوا فيكي كدة؟. ليلى بصت للظابط وبصتلي، وقالت كلمة خلت الدم يقف في عروقي هما مكنوش بيصيفوا يا تيتة.. هما كانوا بيخبوها.
الظابط استغرب بيخبوا إيه يا حبيبتي؟. ليلى شاورت على الشنطة الصغيرة اللي كانت لابسها في وسطها تحت الهدوم، الشنطة اللي أنا مخدتش بالي منها من كتر الهدوم المبهدلة. فتحتها قدام الظابط، ولقينا فلاشة متغلفة في كيس بلاستيك ومكتوب عليها التأمين.
لما الظابط أخد الفلاشة وشغلها على اللابتوب بتاعه، وشي جاب ألوان. فيديوهات لشريف