المخزن كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب

لمحة نيوز

ميادة نزلت عينيها الأرض. أداء متقن. وبعدين، بالذكاء اللي بيميز الناس اللي بتعرف تكسب المواقف، رفعت راسها وقالت كلمة واحدة:
— "أنا حامل."
الكلمة نزلت في برد الجنينة زي الحجر. ليلى في حضنه اتنفضت وضمت إيدها أكتر.
أحمد مردش. دخل البيت، قعد بنته على كرسي المطبخ، غسل وشها بمية دافية، وإيديه كانت بترعش وهو بيعدل لها الهدوم. وهي لسه ماسكة في كمه.
عند الحوض كانت واقفة "سعاد"، الشغالة الجديدة اللي ميادة جابتها من شهر. كانت بتغسل المواعين وعينيها في الأرض. بس لما رفعت عينها وبصت لليلى، أحمد مشافش شفقة.. شاف "تعود".
وشاف "خوف".
دي نظرة حد شاف المنظر ده كتير، وسكت كتير.
الليلة دي أحمد ما عملش خناقة. مش لإنه صدق، بس لإنه فهم إنه قدام "ممثلة" محترفة، وهو مش عايز يغلط غلطة تخليه يخسر بنته.
نيم ليلى بإيده. فضلت فترة طويلة مش عارفة تنام، بتتفزع من أي صوت في الممر. وحتى لما نامت، كانت كفوفها مقفولة كأنها لسه ماسكة في حاجة.
أحمد قعد في مكتبه، مطفي النور، وباصص لشاشة اللاب توب المطفي. كراسة الرسم الجديدة جنبه. البيت كان سكت تماماً.

على الساعة واحدة إلا ربع، سمع حركة.
خطوات هادية.. بس واثقة.
فتح باب المكتب حتة صغيرة وجمد مكانه.
ميادة ماشية في الممر، ماسكة ليلى من معصم إيدها بقوة. البنت كانت حافية، راسها في الأرض، لسه مفيطلة من النوم بس مابتفكرش تقاوم. كأنها متعودة تسلم للي بيحصل.
كانوا رايحين ناحية الباب اللي بيطل على الجنينة.
ناحية المخزن.
في اللحظة دي، فيه حاجة في قلب أحمد اتكسرت، وحاجة تانية ظهرت.. حقيقة مرعبة بس أخيراً واضحة.
استنى لحد ما سمع صوت القفل وهو بيقفل في الجنينة، ورجع مكتبه. إيده كانت متلجة. فتح سيستم الكاميرات.
بدأ يشوف..
أولاً الجنينة.. بعدين الممر الجانبي.. بعدين باب المخزن.
التسجيل كان فاضح كل حاجة.
ميادة بتجر ليلى بالليل.
ميادة بتفتح الباب وتزقها جوه.
ميادة بتمشي.. وترجع بعد ساعة بطبق أكل.
وترجع بعد ساعة تانية تاخد الطبق.
أحمد رجع الشريط ليوم.. واتنين.. وأسبوع.
مكنتش ليلة واحدة.
مكنش غلطة عارضة.
ده كان نظام.
في تسجيل يوم الثلاث اللي فات، ليلى كانت قاعدة في ركن المخزن على مرتبة قديمة، ضامة رجليها. في النور الضعيف بتاع اللمبة
اللي في السقف، مدت صباعها المرتعش على الأرض اللي عليها تراب، وكتبت كلمة واحدة:
**"بابا"**.
أحمد كتم صرخته بإيده.
بس الأرعب من كل ده.. كان التاريخ اللي ظاهر في ركن الشاشة.
في التاريخ ده بالذات، ميادة كانت بتكلمه في التليفون وبمنتهى الهدوء بتقول له: "ليلى نامت بدري يا حبيبي، كانت تعبانة شوية وقالت لي سيبوني أنام للصبح".

### الفصل الأخير: "صدمة العمر"
أحمد فضل قاعد قدام الشاشة، دموعه نزلت لأول مرة من سنين.. مش دموع ضعف، دي كانت دموع نار بتحرق كل ذكرى حلوة كانت بينه وبين ميادة. كل كلمة حب، كل "عزومة" شيك، كل تمثيلية "الأم الحنونة" كانت بتتعرض قدامه الآن كأنها فيلم رعب رخيص.
قفل اللابتوب بهدوء مريب. الهدوء اللي بيسبق العاصفة.
قام وخرج للجنينة. مكنش ماشي، كان كأنه شبح بينتقم.
وصل عند المخزن، ميادة كانت لسه واقفة بتظبط لبسها وبتمسح دموع "التمثيل" وهي راجعة البيت.
— "خلصتي تمثيلية الحمل؟ ولا لسه فيه فصل أخير؟"
صوت أحمد كان طالع من حتة بعيدة.. هادي جداً لدرجة تخوف.
ميادة اتنفضت، وشها بقى لونه أصفر زي الكركم:
— "أحمد.. إنت

لسه صاحي؟ أنا كنت بس.."
أحمد قاطعها وهو بيشاور على الكاميرا المخفية اللي فوق باب المخزن:
— "شوفت ليلى وهي بتكتب اسمي في التراب يا ميادة. شوفتك وأنتي بتجريها زي الذبيحة كل ليلة. أنا مش هسألك ليه عملتي كده.. لإن اللي زيك معندوش 'ليه'.. اللي زيك عنده غل وبس."
ميادة حاولت تصرخ، حاولت تعمل "نمرة" الست المظلومة، بس أحمد مسك إيدها بقوة وطلع موبايله:
— "البوليس على وصول.. والفيديو ده هيلف مصر كلها. مش عشان أنتقم، عشان الستات اللي زيك، اللي بيستخبوا ورا وشوش الملايكة وهم شياطين، يعرفوا إن ربنا كبير."
### النهاية
بعد شهرين..
البيت مكنش هادي زي زمان، مكنش فيه "صمت" الرعب. كان فيه صوت راديو شغال، وصوت ضحك خافت جاي من أوضة ليلى.
أحمد كان قاعد جنبها، بيعلمها ترسم "شباك" كبير بيدخل شمس.
ليلى لسه مبطتلتش خجل، ولسه بتخاف من الضلمة شوية.. بس إيدها مكنتش بتترعش وهي ماسكة القلم.
بصت لباباها، ولأول مرة من سنين، نطقت كلمة واحدة بس كانت كفاية تداوي كل جروح قلبه:
— **"بحبك يا بابا"**.
أحمد خدها في حضنه، وبص للسما من الشباك اللي رسمته،
وحس إن روح أمها دلوقتي بس.. تقدر ترتاح.
**تمت**
 

تم نسخ الرابط