الست رتيبة كاملة بقلم انجي الخطيب
متليقش على أرضية المطعم البسيطة.. قعد يسأل لو حد يعرف يوصل ل الست المنصورية عشان المحامين بتوعه عايزين يخلصوا البيعة قبل آخر الشهر.
زودت له القهوة مرتين.. وعمره ما شك لحظة إن رتيبة المنصوري هي اللي واقفة قدامه.
كريم كان باصص لي ومبرق إنتي بتتكلمي جد يا ماما؟
جد الجد يا قلب أمك.
زقيت الورقة اللي على الوش قدامه.. كان مكتوب فيها بلغة الحكومة الناشفة والختم النسر الواضح، إن كل اللي عزت محتاجه مش معاه.
الموافقة معلقة لعدم موافقة المالك.
كريم ساند ظهره لورا كأن الأوضة لفت بيه.
يا ماما..
قلتله ببرود هو رمى ابني وحفيدتي في الشارع قبل العشا.. وبكرة الصباح، عنده ميعاد في المحافظة وفاكر إنه هيستلم الموافقة على الطريق.
ساعتها كريم بص لي بنفس النظرة اللي كان بيبصهالي وهو عنده عشر سنين، لما كنت بصلح له حاجة كان فاكر إنها انكسرت للأبد.
شربت بقة قهوة، ولميت الورق تاني بنظام.
كل شوربتك يا كريم.. ورانا ميعاد الساعة ٩ الصبح.
دخل كريم و إيمي البيت، والمكان كله كان ساكت، بس السكوت ده مكنش مريح.. كان عامل زي الهدوء اللي بيسبق العاصفة. دخلت وراهم، قيدت
أخدت إيمي في حضني، وشلت من إيدها الدبدوب اللي كان مبهدل تراب، وقلتلها بصوت حنين يا حبيبة قلب تيتة، اطلعي فوق مع عمتك سميرة، هتلاقي عروسة جديدة مستنياكي، وتيتة هتعملك أحلى عشا. البنت بصتلي بعيون تايهة، وطلعت السلم بالراحة، وكأنها شايلة هم أكبر من سنها.
التفتّ لكريم، وقلتله بنبرة حازمة قوم يا كريم.. قوم اغسل وشك، وادخل كل لقمة. إحنا ولاد المنصوري، مابنكسرش، ولا بنوطي راسنا لحد. كريم بصلي، وعينه دمعت، وقال يا أمي، أنا مش زعلان على نفسي.. أنا زعلان على هناء، وعلى إيمي اللي شافت أبوها بيتهان، وعلى الكرامة اللي اتداست جزم أبهاتها في الساحل.
قلتله وأنا بحط إيدي على كتفه الكرامة مابتتداسش يا بني، طول ما القلب حي، والراس مرفوعة. وعزت بيه، وبنته، والساحل كله، مش هما اللي هيحددوا قيمتنا. قوم كل، وبكرة الصبح، الدنيا هتتغير.
تاني يوم الصبح، الساعة دقت تمانية. كنت لابسة عبايتي السودة المعتبرة، وطرحتي اللي
وصلنا قدام مبنى المحافظة. كان مبنى ضخم، مبني بالطوب الأحمر، وحواليه جنينة كبيرة. دخلنا، وكان فيه ناس كتير، زحمة، وصوت الدوشة عالي. رحنا لمكتب المهندس سمير، المسؤول عن التراخيص والموافقات. قعدنا نستنى، وكريم كان بيفرك في إيده بتوتر.
بعد شوية، دخل عزت بيه. كان لابس بدلة شيك، وماسك شنطة جلد غالية. بص لنا باحتقار، وقال بنبرة متعالية إيه اللي جابكم هنا؟ مش قلتلكم مابنفتكرش الناس اللي مالهمش لزمة؟ بصيت له ببرود، وقلت إحنا هنا عشان نخلص البيعة يا عزت بيه.. مش إنت كنت بتدور عليا؟
عزت بيه اتصدم، ووشه احمر. بص للمهندس سمير، وقال إيه الكلام ده؟ دي الست رتيبة، صاحبة المطعم! المهندس سمير هز راسه، وقال أيوة يا عزت بيه.. الست رتيبة هي الوريثة الوحيدة لممر المنصوري، والورقة دي بتثبت كلامها.
عزت
المواجهة كانت قوية، والنتيجة كانت لصالحنا. عزت بيه اضطر يوقع على تنازل عن ممر المنصوري، ومكنش قدامه حل تاني غير إنه يدفع المبلغ اللي طلبته، وإلا فمشروعه كله كان هيوقف. كريم كان واقف ورايا، وعينه بتلمع بالفخر، والكرامة رجعت لوشه تاني.
بعد ما خلصنا، رجعنا البيت. كان فيه احتفال كبير في العيلة، الكل كان فرحان، والكل كان بيهنيني على شجاعتي وذكائي. كريم وهناء اتصالحوا، وهناء اعتذرت لكريم وعيلتنا، وقالت إنها كانت غلطانة، وإنها مكنتش شايفة الحقيقة. عزت بيه، من ساعتها، بقى بيحترمني، وبيعمل لي ألف حساب.
القصة دي علمتني إن الحق مابضيعش طول ما فيه حد بيطالب بيه، وإن المظاهر مابتخدعش غير الناس اللي بتدور عليها. وعلمتني كمان، إن العيلة هي أهم حاجة في الدنيا، وإن
الحب والتسامح هما اللي بيبنوا البيوت، مش الفلوس
بقلم انجي الخطيب