حدود الاصول بقلم انجي الخطيب
غالي بتضحك لي من فوق الترابيزة
مر أسبوع، والهدوء اللي كان في الأول غريب عليا، بقى هو أكتر حاجة بتمسك فيها. مبيعديش يوم غير وتامر يبعت حد من قرايبنا يهدي النفوس، وكلهم داخلين بكلمة واحدة يا ست الكل ده مهما كان جوز بنتك، والبيوت أسرار، والست الكبيرة هي اللي بتلم.
كنت برد عليهم بكلمة واحدة البيوت أسرار لما يكون اللي فيها بيحترموا بعض، لكن لما الحرمة تروح، السر بيبقى فضيحة.. وأنا لميت كتير، وجه الوقت اللي أعيش فيه لنفسي.
في يوم، لقيت الباب بيخبط خبطات هادية.. عرفت إنها هي. فتحت لقيت نهى شايلة شنطة صغيرة، ومن غير ولا كلمة دخلت قعدت في المطبخ، في نفس المكان اللي كانت بتقعد فيه وهي صغيرة لما تزعل من صاحبتها.
عملت لها شاي، وحطيت قدامها طبق بسكوت من اللي بتحبه. فضلت ساكتة دقايق، وبعدين رفعت عينها وقالت تامر سابني عند أمه وراح يقعد مع أصحابه، وقال لي اتصرفي مع أمك وخليها ترجعنا.. ولما قلت له إني مكسوفة منك، شتمني وقال لي إني مليش كلمة عليها.
بصيت لها وقلت لها بحنان الأم بس بحزم الوحدة ودلوقتي يا نهى؟ لسه تعبان وشايل طاجن ستة؟
نزلت دموعها وقالت
قعدت جنبها ومسكت إيدها يا بنتي، أنا مطردتكمش عشان أنتقم، أنا طردتكم عشان أنقذك. كان لازم تخرجي من تحت جناحي وتواجهي اختيارك. لو تامر راجل هيتعب ويشقى ويبني ليكي بيت بجد، ولو هو غير كدة، يبقى عرفتِ طريقك بدري.
نهى نامت في حضني ليلتها، ومن غير تامر. البيت مكنش فيه طاقة سلبية، ولا فيه حد بيزعق عشان السيفون أو الكرسي. الصبح قامت، غسلت وشها، وبدأت تدور على شغل بجد، مش مجرد فري لانس بتضيع فيه وقتها.
تامر حاول يجي تالت يوم، وقف ورا الباب يعتذر بكلمات مدهونة سمنة، بس أنا مابقتش أصدق السمنة دي. قلت له من ورا الباب لما تفتح بيت بفلوسك، وتملى تلاجتك من عرقك، وتعرف إن الست الكبيرة في البيت هي البركة مش العالة، ساعتها ممكن أفكر أعزمك على كوباية شاي.. برة بيتي.
دلوقتي، الشقة رجعت زي ما كانت.. مملكتي الصغيرة. الستاير مغسولة، والزرع في البلكونة مروي، والمج الأزرق دايمًا مليان. نهى بدأت تقف على رجليها،
أنا مكنتش محتاجة حد يونسني بوجوده وهو كاسر عيني، أنا كنت محتاجة أونس نفسي بكرامتي. والنهاردة، وأنا قاعدة في الصالة لوحدي، مش حاسة بوحدة خالص.. أنا حاسة إني أخيراً، وبعد سنين طويلة، رجعت صاحبة البيت.
مرت شهور، والشقة رجعت جنة هادية زي ما كانت طول عمرها. تامر لما لقى إن العين الحمرا مش هتتمحي، وإني مش هلين، اضطر يلم نفسه ويروح يجر شقة صغيرة على قده، وبدأ يشتغل شغلانة تانية بعد الظهر عشان يلحق على مصاريفهم.
نهى بقت بتجيلي كل جمعة، بس المرة دي بتدخل وهي شايلة فاكهة أو حاجة حلوة في إيدها، مابقتش تدخل كأنها صاحبة ملك وأنا ضيفة عندها. بقت تقعد تحكي لي عن شغلها الجديد، وعن إزاي تامر بدأ يتغير غصب عنه لما عرف إن مفيش ضهر يحميه من قسوة الحياة غير شقاه وتعبه.
في يوم جمعة، والشمس مالية الصالة ومنورة خشب الترابيزة البلوط، نهى كانت قاعدة بتشرب القهوة معايا، بصت لي وقالت بكسوف عارفة يا ماما.. تامر سأل عليكي امبارح، وقال لي إن مقبض الحمام في
ابتسمت وأنا بصب لنفسي قهوة في المج الأزرق، وقلت لها يا بنتي، الملح لما بيتحط في الجرح بيوجع، بس بيطهره.. وأنا كان لازم أوجعكم عشان أطهر بيتكم من الدلع وقلة التقدير.
قامت نهى باست راسي وقالت إنتي مش بس صاحبة البيت يا ماما، إنتي الوتد اللي ساند قلوبنا كلنا.
لما نزلت نهى، وقفت في البلكونة أشم هوا الغروب. بصيت للسما وقلت يا رب، أنا معشتش العمر ده كله عشان أتهان في آخره، والحمد لله إنك قدرتني أصون أمانة جوزي وأصون نفسي.
دخلت شقتي، وقفلت الباب ورايا بهدوء. البيت كان ريحته بخور وعود، وصوت إذاعة القرآن الكريم طالع من الراديو الصغير اللي في المطبخ. قعدت على كرسيي المفضل، وفردت رجلي، وأنا حاسة بسكينة ميوصفهاش كلام.
الدرس كان غالي، بس النتيجة تستاهل.
أنا مش عديمة فائدة، ولا أنا عجوزة مكركبة المكان.. أنا البركة اللي البيت من غيرها يبقى مجرد حيطان باردة.
ودلوقتي، أقدر أنام وأنا مطمنة، إن مفيش حد يقدر يكسر عيني في بيتي تاني.
تمت
بقلم انجي الخطيب