حدود الاصول بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

الليمونة.. مرفعش صوتي ولا فكرتهم بلقمة ولا بقرش، سلمت بنتي الورقة وقلت لها أنا بحبك أوي يا نهى، وعشان كدة مش هعلمك إن ده يبقى شكل الحب، الحب اللي فيه ذل ميتعاشش.. هي عيطت قبله، ولأول مرة في حياتي مجريتش عشان أطبطب عليهم وأنا مجروحة، سبت الحقيقة توجعهم زي ما وجعتني.. ساعات القسوة بتبقى هي منتهى الحب اللي فاضل في إيدينا.
تامر لسه هيفتح بقه عشان يزعق، بصيت له بنظرة هادية خلت الكلمة تتحشر في زوره، وقلت له الشقة دي شقتي، واللقمة اللي كلتها كانت بفلوسي، والكرسي اللي ريحت عليه ضهرك أنا اللي شرياه.. ومن اللحظة دي، العتبة دي متخطهاش تاني.
نهى كانت بتبص لي وهي مذهولة، كأنها أول مرة تشوفني، أو كأنها اكتشفت فجأة إن أمها اللي كانت طيبه وهادية ليها مخالب لما كرامتها بتتهان. حاولت تمسك إيدي وهي بتترعش وتقول لي يا ماما الدنيا ليل، هنروح فين في البرد ده؟
رديت عليها وأنا بسحب إيدي بالراحة إنتوا كبار ومسؤولين، وتامر تعبان زي ما بتقولي، خليه يورينا شطارته ويفتح بيت لمراته بعيد عن ريحة السيفون اللي مش عاجباه.. قدامكم ساعة، العربيات مستنية تحت، والبوّاب هيساعدكم تنزلوا الكراتين.
نزلت حاجتهم كرتونة ورا كرتونة، ومع كل كرتونة بتخرج من باب الشقة، كنت بحس
إن نفسي بيرجع لي تاني، وإن الحيطان اللي كانت بتضيق عليا بدأت توسع وتتنفس. تامر كان بيشتم تحت ضرسة وهو شايل شنطة الهدوم، ونهى واقفة بتبكي في صمت، الصمت اللي كان المفروض تكسره من زمان عشان خاطري.
قفلت الباب وراهم، ولفيت الترباس.. التكة دي كان ليها رنة في ودني أحلى من أي مزيكا سمعتها في حياتي. دخلت المطبخ، غسلت المج الأزرق بتاع جوزي، وعملت لنفسي كوباية شاي بالنعناع.
قعدت في الصالة، على كرسيي أنا، اللي تامر كان محتله. مكنش في صوت تلفزيون عالي، ولا حد بيزعق، ولا حد بيحسسني إني تقيلة عليه. البيت كان هادي، بس المرة دي كان هدوء راحة مش هدوء خوف.
بصيت لشنطة العدة اللي كانت لسه على التربيزة، ولمست الورقة اللي بخط جوزي، وقلت في سري ربطتها يا غالي.. ربطتها وجمّدت قلبي، والبيت من النهاردة مش هيتفتح غير للي يقدر قيمته، وقيمتي.
شربت أول بقة شاي، ولأول مرة من سنين، حسيت إن طعمه حلو.. طعم الكرامة بيبقى مسكر أوي حتى لو شربته سادة.
تاني يوم الصبح، صحيت على صوت زقزقة العصافير في البلكونة، صوت مكنتش بسمعه من كتر دوشتهم. قمت صليت وفطرت في هدوء، ومسكت تليفوني لقيت يجي عشرين مكالمة فايتة من نهى، ورسايل عتاب ولوم من تامر باعتها من رقمها.
فتحت رسالة تامر
لقيته كاتب يا حماتي اللي عملتيه ده عيب في حقنا، إحنا ملحقناش نتصرف، ونهى منمتش طول الليل من العياط في الفندق، اتقي الله في بنتك.
قفلت التليفون ورميته على الكنبة. اتقي الله؟ دلوقتي افتكروا ربنا؟ لما كنت واقفة في نص الليل مكسورة الخاطر بسببه كانت التقوى فين؟ ولما بنتي شافت دموعي بتلمع في عيني ودارت وشها الناحية التانية كانت فين؟
قمت فتحت الدولاب وطلعت مفرش السفرة اللي كنت عيناه للعزيز، فرشته وحطيت عليه فازة ورد بلدي. دخلت أوضة التخزين، وطلعت ترابيزة جوزي الخشب، مسحتها بقطعة قماش ناعمة وزيت، ورجعتها مكانها في الصالة.. رجعت الروح للبيت.
على العصر، جرس الباب رن. بصيت من العين السحرية لقيت نهى واقفة لوحدها، وشها دبلان وعينها منفوخة من كتر البكا. فتحت لها، دخلت وهي هترمي نفسها في حضني، بس أنا فضلت واقفة مكاني، ساندة ضهري على الحيطة بصلابة مكنتش أعرف إنها فيا.
قعدت على الكنبة وقالت وهي بتشهق كده يا ماما؟ ترمينا في الشارع عشان خاطر كلمة؟ تامر اتعصب شوية، بس هو قلبه أبيض والله، وكلمني الصبح وكان ندمان..
قاطعتها بهدوء هو مش ندمان يا نهى.. هو بس اتفاجئ إن الحيطة المايلة سدت في وشه الطريق. هو ندمان على السكن البلاش، واللقمة الجاهزة، والست اللي
كانت بتخدمه وهي ساكتة.
نهى بصت لي باستغراب بتخدمينا؟ إحنا عمرنا ما طلبنا منك كده!
رديت عليها المحبة بتخلي الواحد يخدم برضا، بس قلة الأصل بتخلي الخدمة فرض والسكوت حق مكتسب. إنتي يا نهى سكتي لما كان لازم تتكلمي، ودلوقتي جاية تتكلمي لما مابقاش للكلام لازمة.
قامت وقفت وهي بتحاول تضغط عليا يعني خلاص؟ هترضي إن بنتك تتشحطط؟ إحنا لسه ملقيناش شقة، والفلوس اللي معانا متكفيش..
فتحت لها الباب وقلت لها بكل حزم أنا ربيتك يا بنتي وعملت اللي عليا، ودلوقتي دور جوزك يشيلك. لو هو راجل زي ما بيقول، يتصرف. والشقة موجودة، بس ليكي إنتي لوحدك لو في يوم فوقتي وعرفتِ إن اللي بتهوني عليه مرة، بيهينك ألف.
خرجت نهى وهي مش مصدقة، وقفلت الباب وراها للمرة التانية. مكنش قسوة قلب، كان درس كان لازم تاخده من زمان.
دخلت المطبخ، وبصيت على أوكرة الحمام اللي كانت مغلبايا. مسكت مفك البراغي بتاع جوزي، وبدأت أفكها وأربطها من جديد. وبكل سهولة، الأوكرة اتصلحت وبقت زي الفل.
ضحكت من قلبي.. أتاري التصليح سهل أوي، بس إحنا اللي بنخاف نوسخ إيدينا ونواجه الحقيقة.
الشقة النهاردة ريحتها ورد، وبالي رايق، والليل مابقاش يخوف.. بالعكس، الليل بقى ونيسي، وأنا قاعدة بقرأ كتابي المفضل، وفي
إيدي المج الأزرق، وصورة
تم نسخ الرابط