حدود الاصول بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

جوز بنتي كان لسه واقف في الطرقة لما خرجت من الحمام، ونظرة عينه ليا خلتني أحس إن عندي تسعين سنة وماليش قيمة، زعق فيا بحدة وهو وشّه جايب ألوان وقال هو إنتي حتى السيفون مش عارفة تشديه عدل؟ البيت ريحته بقت تقرف!.. كانت الساعة عدت نص الليل والكل نايم، أو عاملين نفسهم نايمين، وقفت مكاني مبرقة ويدي على مقبض الباب وبحاول أشرح له بصوت واطي إن الأوكرة معلقة بقالها أسبوع، وهو عارف كدة وبنتي نهى عارفة كدة، بس هو مكنش عايز يسمع مبررات، هو كان بيدور على حد حيطته مايلة عشان يفرغ فيه غله.. عمري ما هنسى لحظة ما رزع باب أوضته وسابني واقفة في طرقة الشقة اللي قلبي بيدق فيها زي الطبل، بقيت أبص لصورنا على الحيطة وأنا حاسة إني غريبة، كأني تيهت ودخلت بيت ناس ماعرفهمش.. قمت قبل الفجر غسلت الحمام وخليته زي القشطة، مش عشان هو عنده حق، بس عشان أثبت لنفسي إني مش الست العجوزة المهملة اللي هو حسسني إني هي.. الساعة سبعة الصبح نهى دخلت المطبخ وعينها في الأرض، صبت القهوة وقالت بنبرة باردة معلش يا ماما.. كان راجع من الشغل تعبان وشايل طاجن ستة.. في اللحظة دي بالذات حسيت إن في حاجة جوايا انقطعت، مش كرامتي اللي اتجرحت،

لأ.. ده الأمل هو اللي ضاع.. هو إيه اللي بيوجع أكتر في القرايب؟ الكلمة التكسر الخاطر، ولا سكوت الشخص اللي كان المفروض يترمي في حضنك ويجيب لك حقك؟.. ما اتخانقتش معاه، ولا قعدت أعيط لنهى عشان تصفى لي، أنا بس عملت مكالمة واحدة الصبح، وعلى الظهر كانوا عرفوا هما عايشين في بيت مين.. طول عمري كنت بضحك على نفسي وبقول إن الحب بيستحمل أي حاجة، وإن معلش أصلهم مضغوطين وأصل العيشة غالية، بس دي كانت كدبة كبيرة بتخلي الستات تستحمل جوازات فاشلة وتخلي الأمهات تلاقي أعذار لعيال شحطة، وتخلينا قاعدين على طبلية واحدة وإحنا خايفين ننطق بالحقيقة.. أنا جربت العيشة دي قبل كدة، بعد ما جوزي الله يرحمه توفى، قلت لنهى وجوزها تامر تعالوا عيشوا معايا في شقتي كام شهر لحد ما أموركم تتظبط، تامر ساب شغله ونهى كانت بتلقط رزقها من البيت، والإيجارات برة نار، قلت نونس بعض ونشيل بعض، والحقيقة إني كنت وحيدة وهي كانت عارفة كدة.. في الأول كنت فرحانة بكركبة المواعين وصوت التلفزيون العالي وشوزاتهم اللي مرمية ورا الباب، كنت بتبسط وأنا بطبخ لهم وأطبق لنهى غسيلها زي ما بتحب، ومخدتش بالي إن كلمة شكراً بدأت تختفي من لسانهم بالتدريج.
. فجأة الكرسي الهزاز بتاعي بقى مكان تامر عشان ضهره بيوجعه، وسبت الخياطة بتاعي اتشال من الصالة عشان مكركب المنظر قدام صحابه، وحتى ترابيزة جوزي الغالية ات ركنت في المنور عشان نهى شايفة إن الصالة محتاجة تبقى مودرن.. وافقت على كل ده عشان خايفة يقولوا عليا حما نكدية، وللأسف نهى اتعلمت ده مني.. فاكرة وهي عندها ١٢ سنة سألتني يا ماما إنتي ليه بتبقي هادية مع الناس اللي بتزعق؟ قلت لها يا بنتي المركب اللي بتمشي بالهداوة مابتغرقش، وطلعت غلطانة، عشان الهداوة اللي من غير كرامة بتبقى ذل مستخبي.. يومها الصبح شفت في وش بنتي حاجة وجعتني أكتر من إهانة جوزها، شفت إنها عارفة إني اتهنت وعارفة إن السيفون بايظ عشان طلبت من جوزها يصلحه مرتين ونفض لي، ومع ذلك كل اللي قالته أصل تامر كان تعبان.. بصيت لمج القهوة الأزرق اللي في إيدي، ده كان بتاع أبوها، كان بيقعد يشرب فيه القهوة كل جمعة ويقرأ لي الجرنان ويخبي عني الأخبار اللي تنكد عليا، شيلت المج بالراحة وأنا عندي هدوء غريب، وقلت لنفسي أنا مش هقضي يوم واحد زيادة وأنا بصغر نفسي في بيت أنا اللي دافعة تمنه من شقا عمري.. تامر كان فاهم إنه بيجاملني إنه قاعد معايا، رسموا
الحكاية دي في خيالهم وصدقوها، ونسيوا إن الشقة دي ملكي، شرياها بفلوس مكافأة جوزي وشقى عمري في المقهى الصغير اللي قعدت أديره ٢٦ سنة.. هما كانوا بيدفعوا قرشين في الأكل والنور عشان يحسوا إنهم أصحاب بيت، وأنا سبتهم يصدقوا كدة عشان عايزة ريحتهم في المكان، مكنتش أعرف إني كنت بدفع فلوس عشان أتشتم بمالي.. الساعة ٨ وربع أول ما نزلوا شغلهم، كلمت شركة نقل عفش، وبعدها كلمت المحامي بتاعي.. على الساعة ١٠ الكراتين كانت في الصالة، وعلى ١١ كنت شطبت أساميهم من كشوف أمن العمارة وبعت لهم إنذار رسمي.. لميت حاجتهم بالهداوة مش بغل، كتب نهى في كرتونة، والبلاي ستيشن بتاع تامر في كرتونة، هدومهم الشتوي وألبوم الفرح اللي كانوا فيه لسه بيحاولوا يبقوا بني آدمين مع بعض.. وعلى الظهر بفتح خزانة الكراكيب لقيت شنطة عدة جوزي القديمة، وفيها ورقة بخطه عشان لو حاجة في البيت فكت ومحتاجة تتربط، ضحكت بوجع وعيطت، لأن فعلاً كان في حاجة في البيت ده مفكوكة ومحتاجة تتربط بقالها كتير، بس مش حنفية ولا أوكرة، دي كانت الحدود.. لما رجعوا بالليل وشافوا الكراتين مرصوصة عند الباب، تامر وشه جاب ميت لون وبدأ يتعصب، ونهى وشها بقى أصفر زي
تم نسخ الرابط