طـرد المخـادع كـاملة بقلـم انجي الخطيب
— "مش أنا يا بابا.. دي الحاجة زينات قررت تطردني من الشقة. بتقول إني عالة ومقيمة هنا على حس ابنهـا اللي بيدفع إيجار الشقة دي من جيبه."
محمود كان واقف بؤه مفتوح، وبدأ يدرك الكارثة اللي وقع فيها.
— "بابا؟".. الكلمة طلعت منه بالعافية، وصوته كان بيترعش، "آمال.. هو إنتي.. إنتي بنت باهر بيه؟"
— "أيوة يا سيدي".. باهر بيه رد وهو بيبص لمحمود بنظرة تقطع القلب، "بنتي مكانتش عاوزة حد يحبها عشان فلوس أبوها، عشان كدة كتبت الشقة دي باسمي وخليتك تسكن فيها ببلاش كأنها 'سكن إداري' من الشركة.. عشان تبدأوا حياتكم بكرامة."
زينات الضحكة اختفت من وشها ومسكت في سور السلم عشان متقعش.
— "ببلاش إيه؟".. برطمت وهي مش فاهمة، "ده محمود كان بيديني كل شهر مبلغ وقدره، وبيقولي ده إيجار الشقة ومصاريفها اللي بيدفعها من تعبه!"
السكوت نزل على الحارة كلها، حتى الستات اللي في الشبابيك بطلوا
آمال بصت لمحمود اللي وشه بقى أصفر زي الكركم:
— "يعني إنت مكنتش بس بتكذب على أمك في منصبك.. إنت كنت بتسرقنا؟ كنت بتخترع مصاريف وهمية وتعيشنا في ضيق عشان تدفع لأمك 'إتاوة' عشان تفضل راضية عنك؟ وأنا أقول الفلوس بتطير فين وإحنا الاثنين بنشتغل؟"
محمود حاول يقرب منها وهو بيعرّق تحت البدلة الشيك اللي شاريها بفلوسها:
— "يا باهر بيه.. يا آمال.. والله ده سوء تفاهم! أمي بس فهمت غلط!"
باهر بيه صوته كان زي حكم الإعدام:
— "فهمت غلط إيه يا محمود؟ إنك عايش في ملكي وسايب الست دي ترمي بنتي وهدومها في التراب؟"
زينات لما حست إن "الفرخة اللي بتبيض ذهب" طارت، وإن ابنها المدير طلع موظف صغير وممكن يتطرد، لهجتها اتغيرت 180 درجة. نزلت تجري على الهدوم وبدأت تلمها وتمسحها في جلابيتها:
— "يا حبيبتي يا آمال! يا بنتي ده أنا كنت بهزر معاكي!
آمال مدت إيدها وبكل حزم أخدت الهدوم من إيد زينات:
— "كفاية.. حضرتك قمتي بالواجب وزيادة."
بصت لباباها وقالت:
— "عندك حق يا بابا.. البيت اللي يتبني على كذبة، يقع من أول خبطة. أنا كنت فاكرة إني بـ ابني بيت، طلعت بـ ابني وهم."
طلعت المفاتيح من شنطتها وحطتها في إيد أبوها:
— "خد مفاتيح شقتك يا بابا.. أنا مش عايزة أقعد هنا ولا دقيقة."
محمود صرخ بيأس:
— "طب وإحنا هنروح فين يا آمال؟ الشقة دي هي اللي ساترانا!"
آمال بصت له بصه أخيرة مفيهاش غير الشفقة:
— "في نظري كنت راجل محترم وإنت موظف بسيط وصادق، لكن دلوقتي إنت مجرد كذاب ومخادع.. والشركة اللي بتديك مرتبك، أبويا هو صاحبها."
باهر بيه بص لمحمود وقال له ببرود:
— "بكرة الساعة 9 تكون في الشؤون القانونية.
بعد ساعة، الحارة كانت فضيت. العربية السوداء مشيت وخدت آمال وحاجتها.
محمود قعد على الدكة جنب كيس الطلبات اللي آمال نسيت تاخده، وزينات واقفة جنبه وماسكة شنطة اللاب توب وبتبكي.
— "يلا يا ضنايا.. قوم نروح بيتنا، أنا عملت لك شوية محشي يرموا عضدك.." زينات قالتها بصوت مكسور.
محمود بص لكيس الطلبات، شاف فيه "تورتة" صغيرة وشمعة.. آمال كانت جايباهم عشان يحتفلوا بعيد جوازهم اللي هو نسيه.
— "كلي المحشي بتاعك يا أمي لوحدك".. محمود قالها وهو بيبص للسما، "لأننا من بكرة، مش هنلاقي تمن اللحمة اللي بتتحط في المحشي ده."
الريح كانت بتهز ستارة الشباك المفتوح في الدور الأرضي.. الشقة بقت فاضية، والهم انزاح عن قلب آمال مع أول خطوة بعيد عن الحارة
بقلم انجي الخطيب