طـرد المخـادع كـاملة بقلـم انجي الخطيب
آمال وقفت متسمرة في وسط المنور وهي ماسكة كيس الطلبات في إيدها. التعب اللي كان متراكم فوق كتافها طول الشهور اللي فاتت اتحول في لحظة لغليان ونبض في عروقها من الإهانة.
على عتبة البيت كانت واقفة "الحاجة زينات"، حَماتها.. أم جوزها "محمود". الست كانت واقفة وإيدها في وسطها، وبكل جبروت زقت برجلها الشنطة التانية، فدحرجت لحد ما جت تحت رجل آمال.
— "إنتي عالة! حتة نمرة وعايشة على قفا ابني!".. صرخت زينات والشارع كله سمع، "لمي خلقك دي وغوري على بيت أهلك! ابني خلاص ضهره انحنى من شيل شيلتك، اطلعي من حياته بقى!"
طبعاً الجيران اللي قاعدين على الكراسي قدام المحلات صحصحوا، وكام ست من الشبابيك مدوا رقبتهم بفضول، مستنيين يتفرجوا على "الخناقة" اللي ببلاش دي.
آمال حطت كيس الطلبات بهدوء مرعب على دكة خشب كانت فاضية. بصت لهدومها المرمية في التراب، وبعدين رفعت عينيها وبصت لزينات بنظرة حادة زي الموس.
— "يا ست زينات، حضرتك دلوقتي حتنزلي تلمي الهدوم دي من الأرض حتة حتة، وتطلعيها الشقة فوق.. وإلا، الحوار ده حينتهي معاكي نهاية
— "إنتي كمان ليكي عين تهدديني يا خطافة الرجالة؟".. زينات اتجننت ونزلت درجة من على السلم وهي بتبرق، "إنتي هنا ولا حاجة! ابني محمود شغال مدير قد الدنيا في شركة استيراد وتصدير، هو اللي بيدفع دم قلبه في إيجار الشقة دي وفواتيرها، وإنتي موراكيش غير إنك تلهفي فلوسه وتتمطعي في البيت!"
المصيبة إن "محمود" بقاله سنتين بيغذي خيال أمه بقصص وهمية، ومفهمها إنه هو "الكل في الكل" في الشغل، وهو في الحقيقة مجرد محصل غلبان على قد حاله، وآمال هي اللي شايلة البيت من شغلها الخاص ومن ورا أهله.
— "هو إنتي ومحمود اتفقتوا على المهزلة دي؟".. آمال سألتها ببرود، "يعني جوزي عارف إنك طردتيني ورميتي هدومي في الشارع؟"
— "طبعاً عارف!".. زينات ردت بانتصار، "إحنا متفقين من ليلة امبارح إنك لازم تغوري. هو محتاج ست بيت حقيقية تريحه، مش واحدة قاعدة تتأمر عليه. أنا جيت النهاردة مخصوص وأهو رميت لك عزالك عشان أرتاح من وشك!"
— "رميتيه من الشباك؟".. آمال شاورت على شباك الدور الأرضي
زينات ضحكت باستهزاء بصوت عالي سمّع الحارة كلها.
— "عملت إيه يعني؟ ابني يستاهل ست ستك! ده بيدفع إيجار الشقة دي ألوفات، وإنتي حتى لقمة عدلة مش عارفة تعمليها. غوري بقى عند أهلك الغلابة وفارقينا!"
آمال مطلعتش منها عيبة، طلعت موبايلها وطلبت رقم والدها.
— "أيوه يا بابا.. معلش محتاجة حضرتك تيجي لي حالاً عند البيت. الحكاية خلصت يا بابا، وحمايا العزيزة رمت هدومي من الشباك وبتقول إني عالة على ابنها ومطرودة من الشقة."
سمعت الرد، وقفلت السكة وهي بتبتسم بوجع. زينات لوت بوزها وقالت:
— "بتشتكي لأبوكي؟ خليه يجي ياخدك في الميكروباص بتاعه، إحنا خلاص قفلنا صفحتك، وبكرة أجوز محمود سيد سيدك!"
آمال بدأت تلم البلوفرات بهدوء وهي عارفة إن "المفاجأة" اللي هتنزل على دماغ زينات ومحمود لما يعرفوا إن الشقة دي أصلاً باسم آمال ومكتوبة بفلوسها، هي اللي هترمي جوزها وأمه في الشارع بجد.
بعد بالظبط تسعتاشر دقيقة، دخلت الحارة عربية جيب سودة فخمة جداً،
زينات ضيقت عينيها وهي بتبص على العربية اللي شكلها يساوي ملايين، وطلع منها راجل طويل، لابس بدلة شيك جداً وهيبته تملا المكان.
في نفس اللحظة، ظهر محمود من أول الشارع، كان راجع من شغله وشايل شنطة اللاب توب وبيهزها في إيده.. أول ما شاف العربية وشاف الراجل اللي نزل منها، ركبه خبطت في بعض ووقف مكانه مذهول.
— "باهر بيه؟".. محمود قالها بصوت مهزوز وهو بيحاول يرسم ابتسامة صفراء على وشه، "سعادة المدير عندنا في المنطقة؟ خير يا فندم، حضرتك جاي تتطمن على أحوال الموظفين ولا إيه؟"
زينات أول ما سمعت كلمة "مدير"، سقفت بإيدها بفرحة وبصت لـ آمال بكل غل وتكبر:
— "أهو! شفتي؟ المدير بنفسه جاي لحد عند ابني! محمود ابني الكل بيعمله حساب، مش قلت لك ده شأن كبير في شركته؟"
باهر بيه ولا كأن الست دي نطقت كلمة، مشي بخطوات واثقة لآمال، وبص لشنطتها المكسورة وهدومها اللي في الأرض، وسألها بصوت واطي وحنين:
— "إيه اللي رامي حاجتك في الأرض كدة يا بنتي؟"
آمال بصت لزينات