حبيبة البطـل كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب

لمحة نيوز


في البيت ده، الفلوس كانت ملهاش أخر.
بس الحنان كان شحيح.
في ليلة، وأنا طالعة أديله الدوا، سمعت صوت رقعة جامدة جوه الأوضة.
فتحت الباب بسرعة ولقيته واقع على الأرض.
الكرسي بتاعه كان مقلوب.. واضح إنه حاول يتحرك للسرير لوحده ووقع. وشه كان شاحب، بس سنانه كانت كازة على بعضها لدرجة إن عضلات وشه كانت بتترعش من الغيظ.
جريت عليه يا أستاذ آسر
زعق فيا متناديش حد! مش عايز حد يشوفني كده!
ركعت جنبه وحاولت أساعده يقعد. كان أتقل مما توقعت، بس مش ده اللي فاجئني.
وأنا بسنده، حسيت بحاجة في رجله.
مقاومة بسيطة.. حركة لا تذكر.
مش كتير.. بس كفاية.
وقفت مكاني وبصيت له بذهول إنت لسه بتحس برجلك..
دارى وشه وضحك ضحكة يأس مكتومة وإيه الفايدة؟ ما أنا لسه عالة على الكل.
مش عارفة إيه اللي أداني الشجاعة أرد عليه كده.. يمكن غيظي من حاله، ويمكن لأني عارفة يعني إيه حد يقرر مستقبلك وإنت لسه فيك الروح.
بصيت في عينه وقلت له
لو لسه بتحس بحاجة، يبقى هما استسلموا بدري قوي.
بص لي بذهول..
بص لي بجد..
كأن بقاله سنين محدش كلمه من غير شفقة.
كأن كلمة أمل بقت لغة غريبة عليه.
دي كانت اللحظة اللي غيرت كل حاجة.
من الليلة دي، مابقتش شايفة آسر ابن الملياردير..
وهو مابقاش شايفني مجرد خادمة بتشيل الصينية.
في الأول، الموضوع بدأ بسؤال.. بنظرة أطول شوية.. بسكوت قبل ما يقول لي امشي.
وبعدين، في ليلة والقصر كله هس سس، رجعت لأوضته.
بص لي باستغراب إنتي بتعملي إيه هنا؟
قفلت الباب ورايا.
وفي سكون القصر العملاق ده، وعيلة الراوي

كلها نايمة ومفتكرة إن ابنهم عاجز ومفيش منه فايدة، قلت له الجملة اللي هتقلب حياتهم كلهم
أنا جيت عشان نساعدك تحاول تاني.
اللي بدأ بعد كده كان ممكن يتسبب في طردي، أو إهانتي، أو أسوأ.
لأني كل ليلة، وأهله فاكرين إنه بيتدمر فوق، كنت بساعده يحرك عضلات الكل قال إنها ماتت.
كل ليلة كنت بشيله، بسنده، بقويه، وبضغط عليه.
كل ليلة كان بيحارب الوجع في صمت عشان محدش في القصر يسمعنا.
ومع كل ليلة، الخيط اللي بيفصل بين الخادمة وصاحبة السر كان بيدوب.
محدش فينا كان يعرف إن الحقيقة لما هتطلع، مش بس هتهز عيلة الراوي.. دي هتهز مصر كلها.
الجزء الثاني والأخير
بدأت رحلتنا السرية في قلب الليل. كنت بخلص شغلي المنهك، وبدل ما أرمي جسمي على السرير المتهالك في أوضتي الضيقة، كنت بتسحب زي الخيال لغرفة آسر.
إنتي بتخاطري بمستقبلك يا ماريا، قالها لي وهو بيحاول يسند دراعه على كتفي عشان يقف.
رديت عليه وأنا بضغط على سناني وبسنده بكل قوتي مستقبلي ضاع يوم ما سيبت مدرستي، خليني على الأقل أنقذ مستقبلك إنت.
كنا بنشتغل في صمت رهيب. بدأت أقرأ من الكتب اللي في أوضته عن إصابات العمود الفقري، وبقيت أطبق معاه تمارين قاسية. في الأول كان بيقع، يصرخ من الوجع وهو كاتم صوته بالمخدة، ودموعه تنزل من القهر. كنت بمسح دموعه وبقوله قوم يا آسر.. اللي بيحبك بجد مش هيرضى يشوفك كده، وأنا مش عايزة أشوفك كده.
نقطة التحول
بعد شهرين، حصلت المعجزة الأولى. كنا واقفين في نص الأوضة، سيبت إيده بالراحة.. ووقف! ثانية.. اتنين.. تلاتة.. قبل
ما يترمي في حضني وهو بيضحك لأول مرة، ضحكة صافية هزت قلبي. في اللحظة دي، مكنش هو سيد القصر ولا أنا الخدامة، كنا مجرد روحين بيسندوا بعض. بص في عيني وقرب مني، كان فيه كلام كتير عايز يتقال، بس صوت خطوات مدير البيت في الممر خلاني أبعد بسرعة وأستخبى ورا الستارة.
بداية الشك
مدام إسعاد بدأت تلاحظ تغيير. آسر مابقاش يرفض الأكل، وشه ردت فيه الروح، وعينه لمعت من تاني. بدأت تراقبني بنظرات شك. وفي يوم، دخلت الأوضة فجأة ولقيتني ماسكة إيد آسر وبضحك معاه.
قالت بلهجة سمّ إيه المهزلة دي؟ إنتي هنا عشان تخدميه مش عشان تتسلي معاه! من بكرة هترجعي للمطبخ، وفيه ممرضة تانية هتيجي تستلم مكانه.
آسر اتجنن، بس مكنش يقدر يكشف سره لسه. قالي بالليل وهو مخنوق مش هسمح لهم يبعدوكي.. إنتي الوحيدة اللي شوفتيني إنسان مش مجرد كرسي متحرك.
المؤامرة
اكتشفت بالصدفة وأنا بنضف مكتب الراوي بيه أوراق مرعبة. الأب كان مديون بمبالغ خرافية نتيجة صفقات خاسرة، وكان مخطط يتنازل عن نصيب آسر في شركة العيلة لصالحه بحجة إن ابنه فاقد الأهلية ومستحيل يخف. آسر مكنش مجرد مريض، ده كان ضحية طمع أهله اللي استكتروا عليه العلاج عشان يفضل تحت رحمتهم.
جريت على آسر وحكيت له. الغضب خلاه يقف على رجليه من غير مساعدة. قال بصوت زي الرعد عايزين يدفنوني وأنا عايش؟ تمام.. الدفنة هتكون ليهم هما.
ليلة الانفجار
يوم عيد ميلاد الراوي بيه، القصر كان مليان بوزراء، ورجال أعمال، وصحفيين. الكل كان بيجامل الأب والأم على صبرهم مع ابنهم العاجز.
كنت واقفة
في المطبخ، قلبي بيدق. فجأة، الأنوار انطفت، واشتغلت شاشة عرض كبيرة في وسط الصالة، وبدأ يتعرض فيديو.. فيديو لآسر وهو بيمشي في أوضته خطوة بخطوة، وصوت الراوي بيه وهو بيتفق مع المحامي على تزوير أوراق ابنه.
القاعة سكتت تماماً. وفجأة، السلم الكبير ظهر عليه خيال.
آسر.. واقف بطوله.. لابس بدلة فخمة.. ونازل السلم خطوة بخطوة، بكل ثقة وكبرياء.
الناس بدأت تهمس بصدمة ده بيمشي! آسر الراوي رجع!
مدام إسعاد وقعت منها الكوباية واتكسرت، والراوي بيه وشه بقى أصفر زي الكفن. آسر وصل لآخر السلم، وبدل ما يروح لآبوه أو أمه، مشى في وسط الزحمة لحد ما وصل لعندي.. أنا.. البنت اللي لابسة مريلة الشغل وواقفة في ركن بعيد.
مسك إيدي قدام الكل، وباسها وقال بصوت سمعه كل اللي حاضرين
دي البنت اللي رجعتلي حياتي.. دي اللي علمتني أمشي لما الكل كان مستني موتي. دي ماريا.. اللي هتكون شريكتي في كل اللي جاي.
النهاية
القاهرة كلها اتكلمت عن معجزة قصر الراوي. الأب اتحقق معاه في قضايا التزوير، والأم اعتزلت المجتمع من كسوفها. أما آسر، فرفض يفرط فيا.
آسر قفل القصر القديم، واشترى بيت جديد هادي، وصمم إن أول حاجة يعملها إنه يخليني أكمل تعليمي.
بعد سنتين، كنت واقفة في مدرج الجامعة، وببص من الشباك لقيت آسر مستنيني بره، واقف على رجليه، ساند على عربيته وبيموح لي بوردة.
مبقتش خادمة الملياردير، بقيت حبيبة البطل اللي حارب العالم عشانها، وبقيت مدرسة زي ما كنت بحلم.. بس المرة دي، اتعلمت إن المعجزات مش بس في الكتب، المعجزات بتحصل
لما قلبين يقرروا إنهم مش هيستسلموا أبداً.
تمت.
انجي الخطيب

تم نسخ الرابط