حبيبة البطـل كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب

لمحة نيوز

الجزء الأول
كان عندي ١٧ سنة لما أهلي أجبروني أسيب مدرستي وأخرج من التعليم عشان أشتغل خادمة في قصر عيلة من المليارديرات.
قالوا لي ده واجِبك.
قالوا لي الأحلام مش بتأكل عيش.
قالوا لي بنت زيك لازم تحمد ربنا إنها لقت سكن ولقمة من بواقي مائدة الأكابر. بقلم انجي الخطيب 
بس اللي محدش فيهم كان يتخيله، إن جوه القصر ده ورا الأرضيات الرخام، ونجف الكريستال، والأوضة المقفولة في الدور التالت كنت هبقى جزء من سر خطير، سر هيهز القاهرة كلها لما يتعرف.
لأني كل يوم بالليل، بعد ما القصر كله بينام، كنت بتسلل لأوضة ابنهم الكبير.
وشوية بشوية، وفي منتهى الهدوء، بدأت أعلم الشاب اللي الكل فقد فيه الأمل.. إزاي يقف.. وإزاي يمشي من تاني.
أنا اسمي ماريا، كبرت في حارة شعبية زحمة في عزبة الهجانة، الصيف فيها كان بيتحبس بين الحيطان، وبرد الشتا كان بيدخل من كل شق في الشباك. الفلوس عمرها ما كانت بتكفي، والجوع كان دايماً مستنينا على الباب. أبويا كان بيشرب وبيهدر الفلوس، وأمي كانت شايفة إن البنات اتخلقوا عشان يضحوا وبس. وقبل ما أكبر وأفهم أنا عايزة إيه، كنت اتعلمت إن العوز بيكسر أي حلم.
كان نفسي أكمل تعليمي.
كان نفسي أكون مدرسة.
كان نفسي أعيش حياة أستخدم فيها عقلي بدل سكوتي.
لكن في السنة اللي تمت فيها ١٧ سنة، الحلم ده اتخطف مني كأنه

ملوش وجود.
أمي رمت كيس بلاستيك قديم قدامي في يوم. كان فيه شوية لبس مهلهل.. وبس. 
قالت لي ببرود هتسيبي المدرسة من بكرة. مفيش فلوس للتعليم خلاص. فيه ناس دلونا على شغلانة لقطة.. عند ناس أغنيا قوي. سكن وأكل وشرب، وتمانية آلاف جنيه في الشهر.. دول أحسن من قعدتك في الفصل بتنسجي خيالات.
بكيت..
ترجيتهم..
وعدتهم إني هشتغل بعد المدرسة، وهذاكر بالليل، وهعمل أي حاجة.
أمي ادتني ضهرها.
وأبويا رزع الكوباية في الأرض وقال لي إنتي ملكيش لازمة لو مش هتجيبي فلوس.
تاني يوم الصبح، خدوني على جاردن سيتي، حيث البوابات الحديد الضخمة اللي بتحرس ثروات مكنتش بشوفها غير في المسلسلات.
القصر كان ملك عيلة الراوي، واحدة من أغنى وأقوى العائلات في مصر.
لحد النهاردة، لسه فاكرة صدمة أول يوم.
القصر كان خيالي.. أرضيات رخام بتلمع زي المية، سلالم تشيل عشرة جنب بعض، وجناين أكبر من منطقتنا كلها.
كان مكان جميل.. بس الجمال ده مش لناس زيي.
من أول لحظة دخلت فيها، عرفت مكاني فين.
مدام إسعاد بصت لي من فوق لتحت كأني بضاعة فيها عيب.
قالت لمدير البيت ببرود رفيعة قوي.. بس مش مهم، المهم تكون بتسمع الكلام.
من اللحظة دي، حياتي بقت ملك للقصر.
بصحى خمسة الفجر.. بكنس، بمسح، بغسل، بلمع، بطوي هدوم، وبجري يمين وشمال لحد ما ضهري يتقطم وإيديا توجعني.
وعلموني
القواعد فوراً
ممنوع تقعدي على كنبة في الصالون.
ممنوع تحطي عينك في عين الضيوف.
تخلصي شغلك كله قبل الليل ما يليل.
والأهم من ده كله..
إياكي تعملي صوت ناحية جناح الأستاذ الصغير.
القاعدة دي فضلت محفورة في عقلي.
لأن في القصر ده، كان فيه شخص محدش بيجرؤ ينطق اسمه بصوت عالي.
آسر الراوي.
الابن الكبير.. عنده ٢٠ سنة.
من تلات سنين، عمل حادثة صعبة وهو راجع من الساحل. ومن وقتها، ورجليه مبقتش بتتحرك. أكبر دكاترة في مصر شافوه، وأغلى العلاجات فشلت. مبيخرجش من أوضته في الدور التالت أبداً. قدام الناس، عيلته نادراً ما بتجيب سيرته، وجوه البيت، هو عايش كأنه جرح الكل اتعلم يداريه بشاش من حرير.
أول مرة شفته، كنت شايلة فوط نضيفة وطالعة الدور التالت.
باب أوضته كان موارب شوية.
لمحته لمح بصر، بس الصورة فضلت محفورة في خيالي.
شاب على كرسي متحرك، مدي ضهره للباب، وباصص من الشباك على ضوء الغروب. كان أرفع مما تخيلت، ملامحه كانت حادة وجميلة بس بطريقة توجع القلب.. كان فيه انكسار في وقفته، وغضب مكتوم تحت السكون ده.
مدير البيت شافني وأنا ببص، وشدني بعيد فوراً.
حذرني بلهجة ناشفة متقربيش من أوضة الأستاذ آسر من غير إذن.. هو مبيحبش حد يشوفه.
بعد كام يوم، أمه هي اللي طلبتني.
كانت قاعدة بتشرب شاي في فنجان بورسلين رقيق، ومن غير ما ترفع عينها فيا
قالت
من النهاردة، إنتي اللي هتطلعي لآسر الأكل وتنضفي أوضته. تعملي اللي يتقالك وبس. مفيش كلام زيادة. ملمسيهوش إلا لو طلب منك مساعدة. ومتحكيش بره اللي بتشوفيه في الأوضة دي.. فاهمة؟
قلت بصوت واطي فاهمة يا هانم.
أول مرة دخلت أوضته، إيدي كانت بتترعش لدرجة إن الصينية كانت هتقع مني.
الأوضة كانت فخمة وواسعة، بس باردة بطريقة تخوف. كتب مرصوصة جنب السرير، أزايز دوا في كل حتة، وأجهزة علاج طبيعي مركونة في الزوايا كأنها خردة. كان ريحة المكان مطهر، وورق قديم، ونوع من الوحدة اللي بيسكن الأماكن لما الناس بتبطل تستنى معجزات.
آسر كان قاعد عند المكتب.
ملفتش وشه حتى لما دخلت.
سيبي الصينية واخرجي.
صوته كان واطي، تعبان، ومجرد من أي حيوية.
عملت زي ما قال بالظبط.
بس قبل ما أخرج، لمحت جهاز شلل مركون تحت السرير، عليه تراب يقول إنه مهجور من فترة.
واللي وجعني أكتر من الجهاز، كانت النظرة اللي في عينه لما بص لي أخيراً.
مكنش فيها كبرياء، ولا قسوة.. كان فيها يأس.
مع الأيام، بدأت ألاحظ حاجات تانية.
دكتور العلاج الطبيعي بيجي مرتين بس في الأسبوع. وبقية الوقت، آسر لوحده. أبوه، الراوي بيه، دايماً مسافر وبيجني ثروات. وأمه مشغولة بالحفلات، والجمعيات الخيرية، والتصوير في المجلات.. ناس تانية أهم من ابنها المستخبي فوق. العيلة دي ممكن تصرف آلاف
في سهرة واحدة، بس محدش عنده صبر يقعد مع آسر أكتر من خمس دقايق.

تم نسخ الرابط