السر المدفون بقلم انجي الخطيب
لو الورقة دي في إيدك، يبقى جمال خلاص مابقاش ليه وجود، والقضية اتقفلت. أنا مكنتش هربان منك، أنا كنت هربان ليكي. الفلوس اللي في الحساب اللي في الورقة دي حقك وحق ابننا اللي راح، أنا عمري ما نسيتكم. منى مكنتش مراتي يا سلمى، منى كانت أخت الممرض اللي أنقذني، واتفقنا نعيش كأننا عيلة عشان نختفي من عيون الناس، والبنت سلمى يتيمة هي كمان واتبنيتها عشان ألاقي سبب أعيش عشانه.. أنا مكنتش أقدر أقولك كدة وأنا جار ليكي عشان مكنتش ضامن مين بيراقبني. دلوقتي أنا حر، بس مش عارف هل لسه ليا مكان في قلبك؟ أنا مستنيكي في نفس المكان اللي اتقابلنا فيه أول مرة.. لو جيتي، هعرف إنك سامحتي، ولو مجيتيش، هفضل ميت في نظرك، وده عدل ربنا.
مكملتش قراية، رميت الورقة وجريت على السلم زي المجنونة. نزلت الشارع وأنا مش شايفة قدامي، ركبت أول تاكسي وقولتله
وصلت هناك، والشمس كانت بتبدأ تغيب. شفته من بعيد، واقف مدي ضهره ليا، نفس الوقفة ونفس الهم اللي شايله على كتافه. قربت منه براحة، وصوتي خرج مخنوق ياسين...
لف وشه، والمرة دي مكنش فيه خوف في عينيه، كان فيه لهفة طفل تايه لقى أمه. فتح دراعاته، وأنا رميت نفسي فيهم وصرخت بكل الوجع اللي عشته في تلات سنين. مكنتش محتاجة كلام، حضنه كان هو الحقيقة الوحيدة في وسط كل الكدب ده.
بص في عيني ومسح دموعي وقال بابتسامة مكسورة تفتكري ربنا ممكن يعوضنا؟.
رديت عليه وأنا ببتسم لأول مرة من تلات سنين ربنا عوضنا يا ياسين.. إننا لسه بنحب بعض بعد كل الموت ده، هو ده العوض.
مشينا مع بعض، وإيدنا في إيد بعض، المرة دي مش جيران، ولا أغراب، المرة دي رجعنا سلمى وياسين اللي الحكايات بتبدأ بيهم ومبتخلصش
مرت سنة على اليوم اللي شفته فيه واقف قدامي في الجنينة، السنة دي كانت هي العوض اللي كنت بدعي بيه في كل سجدة. ياسين مرجعش بس لحياتي، ده رجع رمم كل شرخ في روحي.
بعنا الشقتين اللي كانوا وشهم في وش بعض، واشترينا بيت صغير في مكان هادي، بعيد عن زحمة الذكريات والوجع. ياسين فتح ورشة نجارة صغيرة، المكان اللي كان بيحبه طول عمره، وبقى يقضي يومه بين ريحة الخشب وتصميمات لبيتنا الجديد. أما سلمى الصغيرة، فبقت هي النور اللي مالي علينا البيت، بقت تناديني ماما بجد، وأنا بقيت بشوف فيها التعويض السماوي عن ابني اللي فقدته.
في ليلة من ليالي الشتا الدافية، كنا قاعدين في الصالة، وياسين كان بيقرأ كتاب، وسلمى نايمة في حضنه. بص لي فجأة وقال بابتسامة صافية عارفة يا سلمى.. ساعات بقعد أفكر في التلات سنين اللي ضاعوا، وبقول لولا الوجع
رديت عليه وأنا بسند راسي على كتفه القدر كان قاسي يا ياسين، بس ربنا كان رحيم بينا في النهاية. المهم إننا دلوقتي تحت سقف واحد، والسر اللي كان بينا مبقاش خوف، بقى هو اللي مقوينا.
فجأة، سلمى الصغيرة تململت في نومها وهمست باسمنا وهي بتضحك. شالها ياسين ووداها سريرها، ورجع قعد جنبي ومسك إيدي اللي كان ناقص صوابعها بيلمس كفي بحنية، وقال بصوت مليان يقين خلاص يا سلمى، مفيش هروب تاني، ومفيش أبواب هتتقفل في وشنا.. إحنا النهاردة بدأنا نعيش بجد.
في اللحظة دي، حسيت إن كل الدموع اللي نزلت زمان كانت تمن غالي بس يستاهل عشان نوصل للمرسى ده. بصيت للسما وقولت في سري الحمد لله، ونمت وأنا مطمنة إن جاري اللي كنت فاكراه ميت، بقى هو السكن والسند اللي مبيغيبش.
تمت
بقلم انجي