السر المدفون بقلم انجي الخطيب
المحتويات
اللي جوه ده بقى جار غريب، جار بيحمل ملامح حبيبي، بس قلبه بقى ملك لبيت تاني.
دخلت شقتي وقفلت الباب ورايا وسندت ضهري عليه، كنت سامعة ضربات قلبي بتترج في صدري زي الطبل. المكان اللي كنت فاكرة إنه هيكون هدوئي، بقى هو سجني الجديد. قعدت على الأرض مش قادرة أصلب طولي، وصوت ضحكة بنته سلمى جاي من ورا الحيطة بيخترق ودني زي السكاكين.
كنت بسأل نفسي يعني إيه كان بيحميني؟ يعني إيه أعيش سنين في عزا، وهو بيسمع ضحكة طفلة تانية؟ الفجر شقشق وأنا لسه مكاني، مصلية الفجر وحاطة راسي بين إيديا، بحاول أستوعب إن ياسين اللي كنت بدعي له في كل سجدة، موجود ورا الحيطة دي، بياكل وبيشرب وبيحضن عيلة تانية.
عدى يومين وأنا حابسة نفسي، لحد ما سمعت خبط على الباب. فتحت ببطء، لقيتها هي.. منى مراته. كانت شايلة طبق فيه كعك وقالت لي بابتسامة صافية صباح الخير يا حبيبتي، أنا قولت عيب نبقى جيران ومندخلش بيوت بعض، أنا منى، وإحنا لسه جداد هنا.
بصيت لوشها، كانت ملامحها طيبة لدرجة توجع، وكأنها متعرفش أي حاجة عن الحريقة اللي قايدة في قلبي. دخلت وقفعدت، وبدأت تتكلم عن نقلهم هنا وإن جوزها ياسين راجل طيب وشقيان، بس دايماً فيه حزن في عينيه
وقبل ما ترد عليا، الباب خبط خبطة أنا عارفاها كويس، خبطة ياسين اللي كنت بستناها زمان. دخل ولقاني قاعدة مع مراته، وشه بقى لونه أصفر زي الليمون، وعينيه اتعلقت في عينيا للحظة، لحظة كان فيها عتاب وخوف ورجاء.
منى قامت وقالت له تعال يا ياسين سلم على جارتنا، دي طلعت ذوق خالص.
ياسين قرب وبص لي، وفي وسط سكوتنا اللي كان بيصرخ بكل حاجة، نطق جملة واحدة خلت الريق ينشف في زوري الجيرة حق يا منى.. وإحنا جيرتنا مع ست سلمى شكلها هتطول، ولازم تعرفي إن البيوت أسرار، ومحدش بيعرف اللي ورا الحيطان غير اللي بناها.
فهمت قصده، كان بيطلب مني السكوت بتمن حياته وحياة عيلته، بس السؤال اللي كان بياكل عقلي لحد إمتى هقدر أشوفه كل يوم وهو غريب؟ وإزاي هقدر أعيش جارة لروحي اللي اتسرقت مني؟
جوزي اللي مات من سنة فاجأة لاقيتة بقي جاري ومتجوز من واحدة تانية ومخلف بنت اتصدمت لما كنت بببص من الشباك وفجأة شوفت وشه اتسمرت مكاني! ...
أنا سلمى. فقدت زوجي ياسين من 3 سنين في حادثة طريق صعبة. كنت حامل في الشهر الثامن وقتها،
لحد صباح يوم الأحد ده...
بصيت من الشباك لما سمعت إن فيه سكان جداد بيعزلوا جنبنا . كانت عيلة صغيرة، زوج وزوجة وبنت زي القمر. قلبي وجعني وأنا بتفرج عليهم، كنت بحلم يكون عندي عيلة زي دي. وفجأة شفت وشه واتسمرت مكاني!
ياسين! عينيه، قصة شعره، ضحكته... الراجل اللي واقف قدامي كان نسخة طبق الأصل من جوزي اللي مات.
أول ما سمعت صوتهم طالعين على السلم، مقدرتش أتحكم في نفسي وجريت على الباب. كانوا بينقلوا في الشقة اللي قصادي بالظبط.
لو سمحت قلتها بالعافية أنت تعرف حد اسمه ياسين؟
الرعب ظهر في عينيه فجأة. لا قالها وهو بيتفادى نظراتي، وبص للبنت اللي في حضنه وقال يلا ندخل يا سلمى.
بنتهم كان اسمها سلمى! حسيت إن دمي كله هرب من جسمي. قربت منها وقلت أنت شبه حد كنت أعرفه بشكل ميتصدقش، لكنه استعجل وقفل الباب عشان يهرب مني.
وهنا كانت اللحظة اللي مد فيها إيده على حرف الباب وكل حاجة بانت قدامي
إيده
مبقاش عندي شك، كنت خلاص هفقد عقلي وصرخت بأعلى صوتي ياسين! ده أنت!
لف وشه ناحيتي، وشوفت في عينيه نظرة ميتوصفش معناها، وبعدها نطق كلمات هزت كياني ووقفتني مكاني وخلتني مش عارفة أتحرك..
بعد ما مشي، الهدوء اللي سكن العمارة كان مرعب، أهدأ من هدوء المقابر اللي كنت بزورها زمان وأنا فاكرة إني بزوره هو. قعدت في نص شقتي الفاضية، والصدى كان بيرد في ودني بكل كلمة قالها. جمال أخوه؟، عصابة؟، عيش ميت عشان تعيشي أنتي؟. الأسئلة كانت بتنهش في دماغي زي السوس.
مرت شهور، وبقيت عايشة زي الروح اللي بتدور على جسدها. لحد ما في يوم، الجرس ضرب. فتحت وأنا قلبي مقبوض، لقيت واحد غريب، لابس بدلة سودة ونظارة، ملامحه كانت حادة لدرجة تخوف. سألني ببرود أنتي الست سلمى؟.
حسيت ببرودة في جسمي كله، قولتله بصوت مهزوز أيوه، خير؟.
طلع ورقة مطوية ومدها لي وقال الأمانة دي كان لازم توصلك من زمان، بس صاحبها شرط إنها متتفتحش إلا لما يطمن إن كل حاجة انتهت.
خدت الورقة منه وإيدي بتترعش، وقفلت الباب بسرعة. فتحت الورقة، كان خط ياسين، الخط اللي أحفظه أكتر من اسمي.
سلمى..
متابعة القراءة