سلسلة جدتي بقلم انجي الخطيب
والسر يفضل معاكي.. مصر كلها مستنية الحقيقة دي تظهر!
زقيت الكرسي الهزاز بكل قوتي ودخلت الممر الضلمة اللي جدتي شاورت عليه، كنت سامعة ورايا خبط رزع على الباب وصوت جدي وهو بيزعق بهستيريا هاتوها.. مش عايزها تخرج من هنا حية!
الممر كان ضيق وريحته تراب وسراديب قديمة، كنت بجري وأنا مش شايفة كف إيدي، لحد ما لقيت سلم خشبي متهالك طلعت عليه ولقيت نفسي في نص جنينة الفيلا المهجورة من ورا. الجو كان ليل والبرود بياكل في عضمي، والسلسلة والشريحة في إيدي كأنهم نار بتحرقني.
فجأة، حسيت بحد بيشدني من دراعي وبيتكتمني، كنت لسه هصرخ بس لقيت السواق اللي كنت فاكرة إنه مات بيوشوشني اسكتي خالص.. أنا اللي بلغت البوليس، والفيلا دلوقت بتتحاصر.. بس لازم تخرجي الشريحة دي من هنا قبل ما عمر يوصلك، عمر مش مجرد محامي، ده زعيم العصابة الحقيقي اللي جرك لكل ده من يوم ما رفعتي قضية الطلاق.
بصيتله بشك، مابقتش عارفة مين الصادق ومين الكداب، بس صوت سرينة البوليس اللي بدأ يعلى في المكان خلاه يزقني ناحية سور الجنينة وهو بيقولي انطقي يا إنجي.. اهربي على عنوان النيابة الإدارية اللي في الورقة دي، وسلمي الشريحة للمستشار رأفت، هو الوحيد اللي جدتك كانت بتثق فيه.
نطيت السور وجريت في الشوارع المظلمة وقلبي هيقف، كنت حاسة إن كل خيال شجرة هو عمر أو جدي، لحد ما وصلت للطريق العمومي ووقفت تاكسي وأنا منهارة، قولتله أرجوك.. وديني العنوان ده بسرعة.
وصلت قدام المبنى، والدنيا كانت لسه فجر.. قعدت على الرصيف وأنا بضم السلسلة لصدري وببكي، وأول ما البوابة فتحت والموظفين بدأوا يوصلوا، طلبت أقابل المستشار رأفت.
دخلت مكتبه، راجل وقور شعره شايب، أول ما شاف السلسلة في إيدي وقف مكانه وسند على المكتب وقال بذهول إنتي إنجي؟.. ميليندا كانت دايماً بتقول إنك هتيجي في يوم من الأيام ومعاكي مفتاح جهنم اللي هيحرق عيلة السيوفي.
فتحت إيدي ووريته الشريحة، وبدأت أحكي وبصوت متقطع كل اللي حصل، وهو بيسمعني بتركيز رهيب، وفجأة الباب اتفتح ودخل عسكري قاله يا فندم.. فيه محامي بره اسمه عمر ومعاه أوراق رسمية بتقول إن الآنسة إنجي مريضة نفسياً ومحتاج يستلمها.
المستشار رأفت بصلي ونظرة عينه اتغيرت، وقام قفل الخزنة بتاعته وحط الشريحة فيها وقالي بجمود خليكي هنا يا إنجي.. أنا هطلع أشوفه.
أول ما خرج وقفل الباب وراه، حسيت بقبضة في قلبي.. بصيت
فتحت عيني بصدمة.. حتى ده معاهم؟ وفجأة سمعت صوت مفتاح بيتحرك في الباب من بره.. الباب بيتفل عليا!
اتسمرت في مكاني، وصوت تكة المفتاح في الباب كانت زي رصاصة في قلبي. بصيت يمين وشمال بجنون، المكتب ملوش غير شباك واحد عالي، والباب بقى سجن. سمعت صوت المستشار رأفت من ورا الباب وهو بيكلم عمر ببرود كل حاجة تحت السيطرة يا عمر.. الشريحة في الخزنة، والبت جوه.. خلص الإجراءات وخدها من سكات، مش عايزين شوشرة في المبنى.
رد عليه عمر بضحكة نصر تخوف كنت عارف إنك مش هتخذلنا يا سيادة المستشار.. الورث ده هينقلنا نقلة تانية خالص.
الدنيا اسودت في عيني، بس فجأة افتكرت كلام جدتي إنجي هي الكود.. هي المفتاح. بصيت للسلسلة اللي لسه في إيدي، وفهمت إن الشريحة اللي في الخزنة فالصو، مجرد طُعم، وإن السر الحقيقي لسه معايا. بصيت للمكتب، لمحت دباسة حديد تقيلة ومقص، خدتهم بسرعة واستخبيت ورا الستارة اللي جنب الباب.
الباب اتفتح، ودخل عمر وهو بيعدل نضارته وبابتسامة صفراء خلاص يا إنجي، التمثيلية خلصت، تعالي معايا بالذوق بدل ما...
قبل ما يكمل كلمته، نزلت بالدباسة بكل قوتي على دماغه، وقع على الأرض وهو بيصرخ، المستشار رأفت جرى يدخل المكتب وهو بيزعق يا عسكري! يا عسكري!، زقيته بكل قوتي وخرجت أجري في الطرقة، والصدفة إن المبنى كان بدأ يزحم بالموظفين والمواطنين.
وقفت في نص الطرقة وصرخت بأعلى صوتي الحقوني! المستشار ده وعمر السيوفي بيقتلوني! الشريحة معاهم! الورق المزور أهو!
الناس اتلمت، والأمن جه جري، والمستشار رأفت وشه جاب ألوان وهو بيحاول يسيطر على الموقف ويقول دي مجنونة! امسكوها!.. بس في اللحظة دي، دخل شخص مكنتش أتوقعه أبداً.
دخلت قوة من الرقابة الإدارية ومعاهم لواء ببدلة رسمية، بص للمستشار رأفت وقال بجمود سيادة المستشار رأفت.. إنت وعمر السيوفي مطلوب القبض عليكم بتهمة التزوير والاستيلاء على أموال الدولة وغسيل الأموال.
بصيت بذهول، اللواء قرب مني وقالي بهدوء متخافيش يا آنسة إنجي.. السواق بتاعك مكنش شغال مع حد، ده كان عميد في المخابرات ومراقب الفيلا من شهر، وهو اللي بلغنا بكل تحركاتهم.
بصيت للسلسلة اللي في إيدي، والدموع نزلت من عيني.. الظلم اللي عشته، والطلاق، والفقر، كل ده كان تمن للحظة دي. بصيت
ابتسمت وسط دموعي، وطلعت الشريحة الحقيقية من البروز المستخبي في قفل السلسلة، وقولتله بصوت هز المكان جدتي قالتلي إن الكود في دمي وفي بصمة عيني.. السر مش في الشريحة، السر في صاحب الحق.
خرجت من المبنى والشمس كانت بتبدأ تطلع، حسيت لأول مرة إني حرة.. لا فيه جوز ظالم، ولا فقر بيكسرني، ولا سر بيطاردني. ركبت التاكسي وأنا بفتح السلسلة وببوس صورة جدتي اللي جواها وهمست شكراً يا جدتي.. الأمانة وصلت.
التاكسي كان ماشي بيا في شوارع القاهرة اللي بدأت تصحى، والضوء بيمسح سواد الليل اللي شفته. كنت ساندة راسي على الشباك ومغمضة عيني، بسترجع كل لحظة خوف وكل دقة قلب عاشتها إنجي الغلبانة اللي كانت من كام ساعة بس مش لاقية تمن الإيجار.
فجأة، التاكسي وقف في إشارة زحمة، ولقيت موبايلي اللي شاشته مدشدشة بينور برسالة مجهولة. قلبي وقع في رجلي، فتحتها وإيدي بتترعش، كان مكتوب فيها الحكاية مخلصتش يا إنجي.. عيلة السيوفي شجرة جدرها غويط، واللي اتحبسوا دول يادوب الفروع.. الشريحة اللي معاكي دي هي صك موتك أو صك نجاتك، اختاري صح.
بصيت حواليا برعب، حسيت إن كل عين في الشارع بتراقبني، وكل عربية ماشية جنبي فيها حد مستني الفرصة. بصيت للسلسلة في إيدي، وفكرت.. هل فعلاً الفلوس دي تستاهل كل الدم ده؟ هل هعرف أعيش متهنية وأنا عارفة إن فيه حيتان لسه بيدوروا عليا؟
طلبت من السواق يغير طريقه، ورحت لمكان مكنش يخطر على بال حد.. رحت المقابر، عند حوش عيلة جدتي ميليندا. وقفت قدام القبر والهدوء كان سيد المكان، طلعت الشريحة الحقيقية وبصيت لها بمرارة، وقولت في سري يا جدتي، إنتي قولتي إن الفقر كان غطايا، وأنا عايزة أفضل مستورة.. الورث ده مش هيجيب غير الخراب.
حفرت بإيدي في الأرض جنب شجرة صبار صغيرة، ودفنت الشريحة في مكان مفيش مخلوق يعرفه غيري، ولبست السلسلة وهي فاضية.. السلسلة اللي دلوقت بقت مجرد ذكرى من ريحة الغالية، مش مفتاح لمليارات ملوثة.
وأنا خارجة من المقابر، لقيت
عربية سوداء هادية وقفت قدامي، نزل منها العميد اللي كان عامل سواق، بصلي ونظرة عينه كانت فاهمة كل حاجة، قالي عملتي إيه في الأمانة يا إنجي؟
بصيتله بثبات وقولت الأمانة رجعت لأصحابها.. الأرض هي اللي بتحفظ الأسرار يا سيادة العميد.
ابتسم بهدوء وقالي كنت عارف إنك شبه ميليندا في حكمتها.. متخافيش، إنتي دلوقت تحت حماية الدولة، وعمر أو غيره مش هيقدروا يلمسوا شعرة منك.. والورق اللي اتمسك في الخزنة كفيل يهد إمبراطوريتهم قانونياً حتى من غير الشريحة.
ركبت معاه، وفي الطريق سألته هو جدي أدهم.. حصل له إيه؟
رد وهو باصص للطريق هرب.. بس هرب لبعيد أوي، والإنتربول شغال عليه. بس الأهم من ده كله، إنك النهاردة بدأتي حياة جديدة.. حياة إنتي اللي بتكتبي سطورها.
وصلت قدام بيت قديم، بس المرة دي مكنش فيه ورقة حمراء على الباب.. كان فيه جواب رسمي بإعادة شقتي اللي جوزي طلقني وطردني منها، مع شيك بمبلغ يعيشني مستورة ومعززة كتعويض عن اللي شفته.
طلعت شقتي، فتحت الشباك، والنور ملى المكان.. بصيت للسلسلة في المراية وضحكت، لأول مرة الضحكة طالعة من قلبي. أنا مش بس كسبت قضيتي، أنا كسبت نفسي.
قعدت على الكنبة القديمة وفتحت الشباك، ريحة الهوا كانت مختلفة، كأنها أول مرة تكون نضيفة من غير ريحة الخوف. بصيت للسلسلة اللي في رقبتي، مابقتش تقيلة زي زمان، بقت خفيفة كأن الروح رجعتلها.
فجأة، جرس الباب رن. قلبي دق دقة واحدة بس، بس المرة دي مكنش خوف، كان فضول. قمت فتحت، لقيت السواق العميد واقف وماسك في إيده شنطة صغيرة، قالي بابتسامة هادية نسيتي دي في العربية يا إنجي.
خدت الشنطة وفتحتها، لقيت فيها موبايل جديد خالص، وجواه ورقة مكتوب فيها بخط جدتي ميليندا الحرية أغلى من أي كنز يا بنتي، عيشي حياتك وانسي الماضي، بس خليكي دايماً فاكرة إن لمعة العين الحقيقية مبيشتريهاش الدهب.
بصيت للعميد وسألته هو جدي هيرجع تاني؟
رد وهو بيلبس نضارته وبيستعد يمشي اللي بيخون أهله يا إنجي ملوش رجوع، هو دلوقت بيطارد سراب، وإنتي معاكي الحقيقة.. نامي وانتي مطمنة.
قفلت الباب ورايا، ووقفت قدام المراية. قلعت السلسلة وحطيتها في علبة قطيفة صغيرة، وقررت إن دي هتكون آخر مرة أشغل بالي فيها باللي فات. دخلت المطبخ، عملت كوباية شاي، وقعدت في البلكونة أتفرج على الشارع والناس.
لأول مرة من سنين، محستش إني محتاجة أهرب، ولا محتاجة أخبي حاجة. أنا إنجي، اللي بدأت من الصفر، ووصلت لأعلى قمة.. قمة الرضا.
الشمس غابت وهدوء الليل نزل، وأنا ساندة راسي على سور البلكونة، همست لنفسي بكلمة واحدة كانت هي النهاية الحقيقية
خلاص.. أنا حرة.
تمت
بقلم انجي الخطيب