سلسلة جدتي بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

خدت السلسلة القديمة بتاعة جدتي ورحت لصايغ، وأول ما الراجل شافها وشه اتخطف وبقت علامات الحيرة باينة عليه وبصلي بذهول وهو بيقول إحنا بندور عليكي من عشرين سنة!
أنا الحقيقة مكنش حيلتي من الدنيا بعد الطلاق غير موبايل شاشته مكسورة، وشنطتين زبالة فيهم هدومي، والسلسلة دي.. جوزي رماني بعد ما خسرنا ابننا وراح اتجوز واحدة تانية أصغر مني، فضلت أسابيع عايشة على البقشيش اللي بيطلعلي من الشغل وعلى شوية عند في دماغي عشان متهدش، لحد ما صاحب البيت لزقلي الورقة الحمراء على الباب، يعني يا الدفع يا الطرد، وأنا مكنش في جيبي تعريفة واحدة.
فتحت كرتونة الجزمة القديمة وطلعت السلسلة، جدتي الله يرحمها ادتهالي قبل ما تموت وفضلت مخبياها عشرين سنة، السلسلة كانت تقيلة في إيدي وبتحسسني بدفا غريب، كأنها حاجة غالية أوي متلقش على حياتي البائسة دي، همست وأنا بدمع سامحيني يا جدتي، أنا بس محتاجة وقت وهستردها، وفضلت ليلتها أعيط لحد الصبح على اللي هعمله.
تاني يوم دخلت محل صيغة صغير في وسط البلد، الراجل العجوز اللي واقف قالي أؤمري يا ست هانم؟ قمت مطلعة السلسلة وحطيتها قدامه على الفاترينة وقولتله عايزة أبيع دي، أول ما عينه جت عليها اتجمد في مكانه ووشه جاب ألوان وكأن الدم هرب من عروقه، وسألني بصوت واطي وهو بيترعش دي.. دي جبتيها منين؟ قولتله دي بتاعة جدتي، وأنا كل اللي محتاجاه تمن إيجار شقتي، سألني كان اسمها إيه جدتك؟ قولتله ميليندا، ليه في حاجة؟.
الراجل كتم نفسه لحظة وبعدين خرجه بآهة طويلة وكأن جبل انزاح من عليه، ورجع لورا كأن حد زقه وقالي يا مدام.. أرجوكِ اتفضلي استريحي، قلبي بدأ يدق

في رجلي وسألته بخوف هي السلسلة فالصو؟ رد وهو لسه بيترعش لا.. دي أصلية وجواهرها نادرة جداً، وفجأة سحب السماعة واتصل برقم وقال لقيناها.. السلسلة هنا، رجعت خطوة لورا وأنا مرعوبة وقولتله إنت بتكلم مين؟ وبتدوروا على مين؟، قفل السماعة وعينه لسه فيها صدمة وقالي يا هانم، الباشا بيدور عليكي من عشرين سنة بالتمام والكمال، وقبل ما أنطق وأسأله يعني إيه الكلام ده، سمعت باب المحل اللي ورا بيتفتح، وقطعت النفس من الصدمة أول ما شوفت اللي دخل علينا..
فتحت عيني على آخرهم وأنا شايفة راجل عجوز داخل، بس هيبته تخلي المكان كله يقف انتباه.. شعره أبيض زي التلج، ولابس بدلة شيك جداً كأنه خارج من زمن الملوك، وأول ما عينه وقعت عليا، وقف مكانه واتسمر، وشفت شفايفه بتترعش وهو بيحاول ينطق اسمي بس الصوت مش طالع.
قرب مني بخطوات مهزوزة وكأنه مش مصدق إن أنا قدامه فعلاً، مد إيده اللي كانت بتترعش ورفع وشي لضوء المحل، وعينه بدأت تدمع بحرقة وهو بيبص للسلسلة اللي كانت لسه على الفاترينة، وقال بصوت مخنوق نفس الملامح.. نفس عيونها.. السلسلة دي مرجعتش لوحدها، دي رجعت ومعاها حتة من روحي اللي ضاعت من عشرين سنة.
أنا كنت واقفة متلخبطة، مش فاهمة إيه اللي بيحصل، وقولتله بصوت مهزوز حضرتك مين؟ وتعرف جدتي منين؟، بصلي بنظرة كلها حنان وكسرة في نفس الوقت وقالي أنا اللي فضلت عمري كله ندمان إني سبت ميليندا تمشي وهي شايلة في بطنها سرنا الكبير.. أنا يا بنتي مكنتش بس بدور على السلسلة، أنا كنت بدور على ابني اللي تاه مني، وواضح إن القدر جابلي حفيدتي لحد عندي عشان يريح قلبي قبل ما أقابل وجه كريم.
الراجل الصايغ
كان واقف بيبصلنا بذهول، وأنا الدنيا كانت بتلف بيا.. يعني إيه حفيدته؟ ويعني إيه ستي كانت مخبية السر ده العمر ده كله؟ لسه هفتح بقي عشان أسأله، لقيته بيمسك إيدي بقوة وبيقولي ماتخافيش من حاجة بعد النهاردة، الفقر والظلم اللي شوفتيهم خلاص انتهوا.. بس لازم تعرفي إن ظهور السلسلة دي دلوقت هيفتح أبواب إحنا مش قدها، وفي ناس تانية عرفت إنك وصلتي، وهيعملوا أي حاجة عشان السلسلة دي والورث اللي وراها ميرجعش لأصحابه.
فجأة سمعنا صوت فرملة عربيات قوية قدام المحل، وصوت حدف طوب كسر إزاز الباب الخارجي.. الصايغ صرخ الحق يا باشا.. وصلوا!
الراجل العجوز شدني بسرعة ورا مكتب الصايغ وهو بيقول بصوت واطي ومرعوب استخبي هنا يا بنتي وماتظهريش مهما حصل!، الدنيا بره كانت قايمة ما قعدت، وصوت شتايم وزعيق بيقرب من الباب اللي اتكسر.. دخل تلات رجالة بجسم رياضي، ملامحهم قاسية ولابسين نضارات سوداء كأنهم طالعين من فيلم أكشن، واحد منهم زعق بصوت هز المحل هات السلسلة يا صاوي.. والبت اللي معاك دي لازم تمشي معانا بالذوق، بدل ما المحل ده يتقلب مقبرة ليكم كلكم!
الصايغ كان بيترعش ورافع إيده لفوق، لكن جدي اللي لسه مش مصدقة إنه جدي وقف قدامهم بكل شموخ وقالهم ببرود يحرق الدم طول عمركم بتيجوا متأخر.. السلسلة مش هنا، والحقيقة اللي خايفين منها خلاص ظهرت للنور، واحد من الرجالة قرب منه ومسكه من اللياقة وقاله بشر بلاش نبرة الباشوات دي يا أدهم بيه، إحنا عارفين إن السلسلة لسه هنا، والبت اللي جدتها هربت بيها زمان مش هتخرج من المحل ده حية إلا وهي معانا.
أنا كنت كاتمة نفسي ورا المكتب، دموعي نازلة بس من غير
صوت، قلبي كان بيدق لدرجة إني خفت هما يسمعوه.. فجأة شفت إيد الراجل العجوز جدي بتتمد ورا ضهره وبتشاورلي على باب صغير مستخبي ورا ستارة تقيلة في ركن المحل، وكان بيحاول يشتتهم وهو بيزعق فيهم لو لمستوا شعرة منها، الحساب هيكون مع الكبار مش معايا.. إنتوا فاكرين إن ميليندا ماتت من غير ما تأمن حفيدتها؟
في اللحظة دي، واحد من الرجالة لمح طرف جزمي اللي كان باين من ورا المكتب، صرخ أهي المستخبية! وقرب بخطوات سريعة وهو بيطلع مطوة من جيبه.. مكنش قدامي حل غير إني أزق المكتب بكل قوتي في رجله وأجري ناحية الباب المستخبي ورا الستارة، ولسه بفتح الباب وبخرج، لقيت إيد خشنة مسكتني من شعري وشدتني لورا بقوة خلتني أصرخ بكل صوتي سيبوني! إنتوا عايزين مني إيه؟
الراجل اللي ماسكني ضحك ب شر وقالي عايزين حقنا اللي جدتك سرقته من ٢٠ سنة يا حلوة.. وموتك النهاردة هو اللي هيقفل الحكاية دي للأبد!.. وفجأة، وقبل ما يعمل أي حاجة، سمعنا صوت رصاصة واحدة سكتت الكل، والراجل اللي كان ماسكني وقع على الأرض وهو بيصرخ، وبصيت ناحية الباب شفت شخص مكنتش أتخيل أبداً إني أشوفه في الموقف ده!
الشخص اللي كان واقف وماسك المسدس في إيده بثبات، مكنش حد غريب.. ده كان عمر، المحامي اللي اتولى قضية طلاقي وكان الوحيد اللي عارف بؤسي وفقري، بس ملامحه دلوقت كانت متغيرة تماماً، مفيش فيها أثر للهدوء اللي كنت أعرفه، عينيه كانت بتلمع بحدة غريبة.
عمر زعق بصوت زي الرعد ارمي السلاح إنت وهو! المحل ده محاصر، وأي حركة غدر تمنها حياتكم. الرجالة التانيين اتسمروا مكانهم وبدأوا يتراجعوا وهما بيبصوا لبعض بذهول، واحد منهم قال وهو
بي نهج إنت إيه
تم نسخ الرابط