حكاية كامله

لمحة نيوز

شمس الضهر كانت نار، ضاربة شوارع قرية صغيرة في قلب الريف المصري، والتراب مالي الجو كأن الدنيا مخنوقة.
ست أم أحمد كانت واقفة في حوش بيتها بتغسل المواعين، وفجأة لمحت جارتها أم سيد وهي باصة من ورا السور، وعينيها بتلمع من كتر الحكاوي.
نادت عليها بصوت واطي بس مليان إثارة
يا أم أحمد! تعالى هنا بسرعة سمعتي اللي حصل؟!
أم أحمد مسحت إيديها في مريلتها وقلبها اتقبض
خير يا بنتي؟ في إيه؟
قالت أم سيد وهي بتقرب أكتر
النهارده الصبح شُفت سمر أيوه سمر دي كانت بتجري ورا عربية نقل فيها صنايعية طوب، وركبت معاهم ورايحة على المدينة! وسابت عيالها التلاتة لوحدهم في البيت!
أم أحمد شهقت بصدمة
إزاي يعني؟! من الصبح والعيال لوحدهم؟!
وقالت وهي بتتحرك بسرعة
لا حول ولا قوة إلا بالله أنا هروح أشوفهم حالاً!
قبل ما تتحرك، باب البيت الخشب فتح بصرير خفيف
وطلعت منه سارة بنت سمر الكبيرة.
عندها 7 سنين بس بس وشها كان متبهدل بالسواد والتعب، أكبر بكتير من سنها.
بصت لأم أحمد وقالت بصوت مكسور
يا طنط ممكن تعلميني أشغل البوتاجاز؟ عايزة أعمل شوربة إخواتي جعانين أوي وأنا مش عارفة أعمل إيه
قلب أم أحمد

اتكسر حرفيًا من غير تفكير جريت على بيت سمر.
أول ما دخلت الحوش، جسمها اتلج من المنظر
لُمى الصغيرة، عندها 3 سنين، قاعدة على الأرض بتعيط ووشها كله تراب، بتمسح مناخيرها بإيديها الصغيرة.
جنبها محمود، 5 سنين، ماسك معلقة وبيحاول يكحت بقايا أكل محروق من حلة قديمة.
بيقول لأخته وهو بيعيط
ماتعيطيش يا لُمى هأكلك دلوقتي والله هأكلك
أم أحمد جريت عليهم وخدت الحلة من إيده بسرعة
سيب يا حبيبي! دي سخنة هتولع فيك!
حضنتهم التلاتة جامد وكأنهم عيالها.
خدتهم بيتها فورًا
غسلتهم، ولبستهم هدوم نضيفة، وعملت لهم شوربة فراخ سخنة
وقعدت تأكلهم بإيديها لحد ما شبعوا وناموا على سريرها في أمان.
وقفت تبص عليهم وهم نايمين ودموعها نازلة في صمت.
عمرها ما خلفت
أول جواز اتطلقت لما عرف إنها مش بتخلف
والتاني سابها عشان واحدة تانية حامل
والتالت هي اللي سابته عشان ما تعيشش نفس الوجع تاني.
كانت مستسلمة تعيش وتموت لوحدها
بس التلات عيال دول دخلوا قلبها وخلوه ينبض من تاني.
أما سمر
كانت طول عمرها مستهترة بتتريق على بنات البلد، وبتقول إنها عايشة عشان تتبسط وبس.
لحد ما اتعرفت على واحد اسمه حسام صنايعي
بناء غريب، جه يشتغل في القرية.
اختفوا مع بعض شهر كامل
وفجأة حسام اختفى وسافر من غير ما يقولها كلمة.
سمر اتجننت وقررت تسيب عيالها وتروح تدور عليه!
بعد أسابيع
في ليلة هادية
خبط خفيف على باب أم أحمد.
فتحت
ولقت سمر واقفة.
بس مش بنفسها القديمة
وشها كان بارد عينيها قاسية
ولا فيهم ندم ولا حتى اشتياق لعيالها.
بصت لأم أحمد وقالت بجفاف
أنا جاية أتكلم معاكي في موضوع مهم.
اللي قالتُه بعد كده
كان كفيل يغيّر حياة الكل للأبد
طلبها كان صادم ومش طبيعي
لدرجة إن دم أم أحمد غلي في عروقها
ومستحيل حد يتخيل إن أم ممكن تطلب كده
أم أحمد بصت لسمر باستغراب وقلق
موضوع إيه؟ انتي سيبتي عيالك ومش سائلة فيهم، وجاية دلوقتي تقولي موضوع مهم؟!
سمر دخلت وقعدت بكل برود، كأن مفيش حاجة حصلت، وقالت
أنا جاية آخد سارة.
أم أحمد اتجمدت مكانها
تاخدي مين؟!
سارة بنتي الكبيرة. هتتجوز.
أم أحمد قامت واقفة بعصبية
تتجوز؟! دي عندها 7 سنين يا مجنونة! انتي بتقولي إيه؟!
سمر ردت ببرود وهي باصة في الأرض
في واحد غني في المدينة كبير شوية بس معاه فلوس كتير. وافق يتجوزها ويدفع مبلغ كبير.
الصمت ملي المكان
وبعدها
انفجرت أم أحمد
إنتي فقدتي عقلك؟! دي طفلة! دي لسه بتطلب تتعلم تشغل البوتاجاز!
سمر رفعت عينيها بحدة
وأنا مالي؟! أنا تعبت ومش هقدر أصرف عليهم. الفلوس دي هتخليني أعيش وأبدأ من جديد.
أم أحمد قربت منها وعينيها بتولع
تعيشي إنتي؟! وعلى حساب بنتك؟!
سمر قالت ببرود قاتل
بصي أنا جاية أقولك مش آخد رأيك. سارة بنتي وأنا حرة فيها.
في اللحظة دي صوت صغير جه من وراهم
ماما؟
الاتنين بصّوا
سارة كانت واقفة، سامعة كل حاجة
وعينيها مليانة خوف ودموع.
قربت خطوة وقالت بصوت بيرتعش
أنا مش عايزة أسيب طنط أم أحمد أنا عايزة أفضل هنا
سمر بصتلها ببرود غريب
هتيجي معايا يعني هتيجي.
سارة جريت حضنت أم أحمد وبتعيط
متسبنيش يا طنط بالله عليكي
أم أحمد حضنتها جامد وقالت بصوت حاسم
محدش هيقرب لك طول ما أنا عايشة.
سمر قامت بعصبية
طيب نشوف بقى! أنا هرجع ومعايا اللي يخلّيها تمشي غصب عنك!
وسابت البيت ومشيت
عدّى يومين
وفي صباح بدري
وقفت عربية فخمة قدام بيت أم أحمد.
نزل منها راجل كبير في السن، لابس بدلة غالية، ومعاه اتنين رجالة.
خبط على الباب
أم أحمد فتحت، قلبها بيدق.
الراجل قال بهدوء
أنا اسمي الحاج عبد
الغني وجاي آخد العروسة.
أم أحمد قالت بحدة
مفيش عروسة هنا. ارجع من حيث ما جيت.
قبل ما يقفل الحوار
سمر
 

تم نسخ الرابط