الغريب في بيته كامله بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

الغريب في بيته
ركنوها على كرسي متحرك جنب الباب، مفاتيح البيت لسه في جيبها، والوجع لسه طازه في عضمها.
كريمة ما عيطتش وهي شايفه ابنها بيعدل لها الغطا على رجليها بحنية مزيفة، من نوع الحنية اللي بيستعملها الجاني عشان يداري بيها وِش المجرم اللي جواه. ولا نزلت منها دمعه لما شافت مرات ابنها وهي بتسلم ملف الأدوية لمكتب الاستقبال في دار المسنين، وكأنها بتخلص ورق حكومي تقيل على قلبها عشان ترجع لحياتها الرايقة والنضيفة.
الحاجة الوحيدة اللي عملتها إنها حضنت شنطتها أوي، وبصت بصه أخيرة ل ياسين.. حفيدها اللي عنده 13 سنة، واللي كان واقف يترعش جنب العربية مش عارف يعمل إيه عشان يمنع الإهانة دي. ياسين كان قفل قبضته، ونفسه متهدج، وعينيه مليانة دموع طفل لسه مكتشف حالا إن القسوة مش بتيجي بس من الغربا.. ساعات بيبقى ليها صوت أبوك، وساعات بيبقى ريحتها هي ريحة برفيوم أمك.
رائحة الوداع
الدار كانت ريحتها خليط ما بين معطر رخيص، وشوربة بايتة، ووقت واقف مابيمشيش. حيطان لونها بيج كئيب، وصور متعلقة في الطرقات، ونضافة زيادة عن اللزوم، نضافة تخوف.. وكأن كل حاجة متصممة عشان تخلي الشيخوخة تبان أشيك لكن

مش أقل وجع.
عند المدخل، كانت فيه ست نايمة قدام التلفزيون، وراجل خاسس جداً باصص للشباك المغيم، وممرضة بترسم ابتسامة باهتة بدافع العادة مش الفرحة. كريمة حست بنغزة في قلبها، مش عشان المكان وحش، لكن عشان المكان له هيبة الأماكن اللي غيرك هو اللي بيقرر فيها نهاية حياتك تساوي كام.
ده أحسن لينا كلنا يا أمي، قالها أحمد، ابنها، وهو مش قادر يحط عينه في عينها.
لينا كلنا.
الكلمة فضلت رنة في الهوا زي بقعة حبر على توب أبيض.
الحقيقة المرة
كريمة كانت عارفة كلنا دي تعني مين بالظبط. مش هي أكيد، اللي بعد الوقعة الأخيرة مابقتش تقدر تدخل الحمام لوحدها. ولا ياسين، اللي بقاله أسابيع بيتحايل عليهم يسيبوها في البيت ووعدهم يشيلها في عينيه.
لينا كلنا دي كانت تعني أحمد ومراته مها. اللي زهقوا من المصاريف، ومن الوقت، ومن تغيير الغيارات بالليل، ومن ريحة الدهانات والمراهم، ومن صوت خبط عكازها في الطرقة وهي داخلة تصلي الفجر. كانت أحسن للزوجين اللي بقوا يشوفوا عجز الأم شرخ في ديكور حياتهم اللي عايزين يسوقوها للناس إنها حياة ناجحة وبرستيج.
مها مالت على موظفة الاستقبال ووشوشتها بصوت واطي، بس مش كفاية
دي
الأوراق كلها.. ولو سألت عن شقتها، قولولها إن كل حاجة تمام.. أصلها بتتوتر أوي.
ياسين رفع راسه فجأة وبص لأمه بذهول.
أما كريمة، فسكتت. لفت وشها ببطء وبصت لمها بصه فيها كسرة قوية، لدرجة إن مها اضطرت تدعي إنها بترتب ورق في الشنطة عشان ماتقابلش نظرتها.
ريحة الشقا
شقتها..
شقة الناصية اللي بلكونتها مليانة جهنمية بنفسجي، اللي بنتها هي وجوزها الله يرحمه طوبة طوبة بشقا سنين، وغدا بارد في المواقع، وأيدين اتشققت من التعب. الشقة اللي أحمد خطى فيها أول خطواته على بلاط لسه فيه شرخ من يوم ما وقع فازة وهو بيلعب كورة. الشقة اللي ياسين كبر فيها وهو نايم في حضن جدته كل يوم جمعة. الشقة اللي فجأة بقت مطمع ليهم أول ما كريمة رجلها تقلت.
يا تيتة... همس ياسين وهو بيقرب منها خطوة.
أحمد مسكه من كتفه بقوة ومنعه
اسكت يا ياسين، مش عايز فضايح.
الولد جز على سنانه بقوة خلت عروق وشه تبان. كان عنده 13 سنة، وبدأ يتعلم أصعب درس في صلة الرحم إن الطاعة ساعات مابتكونش احترام، ساعات بتكون جبن متوارث.
الجزء الثاني حياة ع الرف
كريمة شافت كل حاجة.. شافت الغل المكتوم في عيون حفيدها، والكسوف اللي لابس توب العجز، والحب
اللي لسه نضيف ومش عارف يحارب كبار بيمضوا ويقرروا ويقفلوا بيبان. في اللحظة دي، كريمة استجمعت قوتها ومدت إيدها المرتعشة وعدلت ل ياسين ياقة قميصه.
بص لي يا حبيبي، قالتها بصوت واطي بس واصل.
ياسين بص لها وعينيه غرقانة دموع.
اوعى تخلي اللي حصل ده يوسّخ قلبك من جوه.
جملة كانت صغيرة، بس فضلت محفورة في عقل الولد زي الوشم.
أحمد باس راس أمه بسرعة، بوسة تخليص ذمة. ومها ماباستش، اكتفت بابتسامة صفرا. الموظفة طلبت إمضاء أخير، وممرضة سحبت الكرسي لداخل الطرقات الضلمة. وكريمة، وهي بتعدي الخط الفاصل بين حياتها في بيتها وبين حياتها وهي مركونة، لفت راسها لآخر مرة عشان تشوف ياسين وهو بيعيط في صمت جنب العربية، بضهر مشدود وكأنه مابقاش طفل خلاص.
بره كانت الدنيا بتمطر..
وجوه، كرامة كريمة كانت ماشية لوحدها للمكان اللي رموها فيه عشان يشيلوا حِملها من فوق كتافهم.
أيام بطعم الصبر
أول شهور في الدار ماكنتش جهنم.. كانت أصعب، كانت ماشية بالمسطرة.
وده الشيء اللي مايتطاقش. الدار ماكنتش بتعاملها وحش؛ الأدوية في مواعيدها، بيساعدوها تستحمى، بيقدموا لها الأكل دافي، وبيقولوا لها يا ست كريمة بكل أدب مهني. ماحدش
زعق لها، ولا حد أهانها علنًا. بس

تم نسخ الرابط