القهوة كامله بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

أول ما طارق حط فنجان القهوة قدامي، جسمي كله اتشنج.
ريحة نفاذة وغريبة، مرارة شبه ريحة "اللوز المر".. الريحة اللي أبويا الله يرحمه حذرني منها زمان، وقالي لو شميتيها في أي أكل أو شرب، اهربي فوراً لأن الموت مستخبي جواها.
في اللحظة دي، عملت حاجة مكنتش أتخيل إني أعملها في حياتي.
بدلت فنجاني بفنجان "حماتي".
وبعد تلاتين دقيقة بالظبط، وقعت جثة هامدة تحت رجلي.
وفي اللحظة دي، عرفت إن جوازي من طارق ماكنش مجرد جواز تقليدي، ده كان فخ مبني على سواد وغلّ أغرب بكتير من اللي كنت متخيلاه.
نور الشمس في بيتنا القديم بالزمالك دايماً كان بيدي إحساس زائف بالأمان.
كان بيفرش خيوطه على "التراس" الواسع، يلمس الورد والشجر ويخلي كل حاجة دهبية، وكأن الشر مستحيل يقدر يدخل وسط الشياكة والهدوء ده.
عشان كدة، مفيش حد من بره كان بيفهم "فردوس هانم".
الناس كانت بتشوف فيها الست الأرستقراطية، الهانم اللي لبسها دايماً مرتب وسبحتها مابتفارقش إيدها، والابتسامة الهادية اللي مابتفارقش وشها وهي بتوزع الصدقات.
أنا بس اللي كنت شايفة "السم" اللي مستخبي ورا الشياكة دي.
من يوم ما اتجوزت ابنها طارق، وهي بتدبحني بكلمات ناعمة وابتسامات باردة، جروح مابتعلمش في الجسم، بس بتموّت الروح بالبطيء.
"نومك تقيل أوي يا منى.. مش دي عوايد ستات البيوت الهوانم،" قالتها وهي بترص العيش المحمص على صينية فضة ببرود. "البيت ده له طقوس ونظام."
ماردتش عليها.. السكوت كان هو الدرع الوحيد اللي فاضلي.
لحظات، ودخل طارق وهو شايل تلات

فناجين قهوة، وعلى وشه نفس الابتسامة الساحرة اللي خلتني أسامحه على تقصيره وغيابه في السنتين اللي فاتوا.
قرب مني، باس راسي، وحط الفنجان قدامي بمنتهى الحنية.
"القهوة بتاعتك يا حبيبتي.. زيادة زي ما بتحبيها."
الريحة وصلت لمناخيري قبل ما البخار يلمس وشي.
ريحة غنية، حلوة.. بس "غلط".
**لوز مر.**
صوابعي قبضت على طبق الفنجان لدرجة إني خفت ينكسر في إيدي.
افتكرت وصية أبويا: "يا بنتي، فيه سموم بتعلن عن نفسها قبل ما تقتل.. مش كل الناس بتعرف تميز الريحة، بس لو شميتيها في يوم، اوعي تشربي."
رفعت عيني وبصيت لطارق.
كان بيقطع الجبنة بكل برود، ملامحه هادية جداً، وعيونه مابتكشفش أي حاجة. وقدامه، كانت "فردوس" بتكمل شكواها المعتادة من الشغالة بصوتها الواطي "المستفز". وفي الخلفية، كان صوت الراديو بيذيع أغاني الصباح الهادية.
كل حاجة كانت طبيعية.. بزيادة.
إلا ضربات قلبي اللي كانت بتدب في صدري زي الطبلة.
قلت لنفسي: يمكن بتخيل؟ يمكن البُن محروق؟ يمكن الخوف هو اللي بيصور لي أوهام؟
لكن طارق بص للفنجان اللي مالمستوش، وقال بصوت ناعم، بس فيه نبرة غريبة:
"اشربي قهوتك يا منى.. هتبرد."
رعشة باردة مشيت في عمودي الفقري.
قامت "فردوس" عشان تجيب المربى من المطبخ.
طارق لفت وشه الناحية التانية عشان يظبط الراديو لثانية واحدة بس..
وهنا.. عملتها.
بدلت الفناجين.
حركة صغيرة، صامتة، مجرد بورسلين بيتحرك على المفرش الدانتيل. إيديا كانت ثابتة بشكل مرعب، رغم إن روحي من جوه كانت بتصرخ.
لما رجعت "فردوس هانم"
، قعدت من غير ما تشك في أي حاجة، ومدت إيدها للفنجان اللي كان "فنجاني".
رفعت أنا الفنجان التاني لشفايقي، كنت بمثل إني بشرب.
هي خدت أول بقة..
وبعدين التانية..
كنت مستنية الأرض تنشق وتبلعنا. كنت مستنية طارق يلاحظ أو هي تصرخ.
لكن مفيش حاجة حصلت.
الفطار كمل والوقت بيعدي تقيل.. تقيل أوي. هي لسه بتتكلم، وهو لسه بياكل. صوت المعالق وهي بتخبط في الصينيه كان بيحسسني إني في كابوس.
بدأت ألوم نفسي.. وبدأت أكره اللي عملته.
قلت يمكن كنت غلطانة؟ يمكن أنا اللي بقيت "مجرمة" وخاينة للعشرة؟
بعد تلاتين دقيقة، كانت "فردوس" واقفة عند الورد في التراس، والسبحة بتتحرك بين صوابعها وهي بتتمتم بصلواتها.
فجأة.. الفنجان وقع من إيدها.
اتدشدش مية حتة على الرخام.
اتسمرت مكانها.
الدم هرب من وشها في ثانية، لدرجة إن ملامحها مابقتش شبه البشر. فتحت بوقها عشان تصرخ بس مفيش صوت طلع. إيد على رقبتها، وإيد تانية بتخبط في الهوا كأنها بتغرق وعايزة تمسك في أي حاجة.
وبعدين.. وقعت.
وقعة قوية هزت الأرض.
السبحة اتفرطت وحباتها جريت في كل حتة في التراس.
لثواني طويلة، مكنش فيه حد بيتحرك.
طارق كان بيبص لأمه وهي في الأرض وكأن عقله اتشل. بعدها صرخ "ماما!"، واترمى على الأرض جنبها وهو بيحاول يفوقها بجنون.
أنا مالمستش مكاني.
ماقدرتش.
لأني وأنا واقفة بتفرج على "فردوس" وهي بتنازع وبتموت قدامي، فيه حقيقة واحدة بس ظهرت ونورت في عقلي وسط كل الرعب والزحمة وصوت طارق اللي بيترجاها تعيش.. حقيقة خلت ركبي تخبط في بعضها من
الخوف.
**
.. الحقيقة المرعبة اللي خلت ركبي تخبط في بعضها من الخوف هي إن طارق، جوزي، حبيب عمري، كان عارف!
كان عارف إن القهوة مسمومة، وكان عارف إنها كانت ليا أنا. الابتسامة اللي كانت على وشه لما حط الفنجان قدامي كانت ابتسامة الموت. ونبرة صوته الهادية كانت بتداري وراها سمّ قاتل.
كنت واقفة بتفرج عليهم، وعقلي بيحاول يستوعب الكارثة. كنت حاسة إني بحلم، كابوس مرعب مش قادرة أصحى منه.
بعد فترة، وصلت الإسعاف والشرطة. وبدأت التحقيقات. كنت واقفة على جنب، مش قادرة أتكلم، مش قادرة أتحرك. كنت خايفة أقول الحقيقة، خايفة إن طارق يقتلي لو عرف إني كشفته.
لكن في النهاية، قررت إني لازم أتكلم. لازم العدالة تتحقق. روحت للضابط وحكيتله كل حاجة. عن ريحة اللوز المر، عن تبديل الفناجين، عن كلام طارق المريب.
بعد التحقيقات، اتضح إن طارق كان متفق مع مامته، الست فردوس، عشان يقتلوني ويورثوا فلوسي. الست فردوس كانت بتكرهني من أول يوم، وكان طارق بيطيعها في كل حاجة.
بعد الكشف عن الحقيقة، اتقبض على طارق. واتحكم عليه بالسجن المؤبد. أما الست فردوس، فقد ماتت من أثر السم اللي كانت عايزة تدهولي.
أنا بقيت لوحدي في البيت الكبير، في الزمالك. البيت اللي كان دايماً بيدي إحساس زائف بالأمان. البيت اللي شهد على أبشع جريمة ممكن تتخيلوها.
لكني دلوقتي، حاسة بحرية غريبة. حاسة إني تخلصت من السجن اللي كنت عايشة فيه. السجن اللي كان مبني على سواد وغلّ أغرب بكتير من القسوة.
حياتي اتغيرت كتير، لكن أنا لسه عايشة، ولسه
عندي أمل في المستقبل. أنا منى، الناجية من قهوة "الست فردوس".
 

تم نسخ الرابط