الهروب في الضلمة كامله بقلم انجي الخطيب
الرهان الخاسر
"إيمان" دخلت الأول، لسه ماسكة شنطتها، وعلى وشها نص ضحكة قلقانة… الضحكة اللي الناس بترسمها لما يبقوا حاسين إن في مفاجأة مستنياهم، بس الجو حوالين قلبهم مش مطمّن.
"ياسر" دخل وراها على طول، نفسه عالي، والكرافتة مفكوكة، وملامحه بتتنقل بين الحيرة والقلق. بصّوا لي… وبعدين بصّوا حوالين المكان.
علبة التورتة لسه مقفولة على الرخامة، الورد متجهز، وكاسات العصير مترصّة بعناية… مشهد كامل معمول لفرحة "لمّ الشمل" اللي كنا بنرتب لها… بس الفرحة دي واضح إنها مش هتحصل.
"إيمان" سألت بصوت واطي:
"فيه إيه يا سارة؟ فين رامي ونهى؟ مش قلتي إننا هنتجمع النهاردة عشان نصفي النفوس؟"
فتحت بقي عشان أتكلم… بس الصوت وقف في زورِي لحظة. مش عشان مش عارفة أقول… لكن عشان عارفة إن أول كلمة هتطلع هتغير شكل العيلة دي للأبد.
وفجأة… صوت جاي من فوق قطع الصمت.
صوت خبط، وكراتين بتتحرك، وكلام متلخبط، وحركة مش مفهومة.
"إيمان" اتسمرت مكانها. "ياسر" رفع عينه لفوق، وملامحه بدأت تتشد… مش مرة واحدة، لكن تدريجي… حيرة… صدمة… وبعدين خوف ساكت من اللي هو متوقعه.
إيمان سألت بنبرة حاولت تخليها طبيعية:
"فيه حد فوق؟"
بصيت في عينيها… وقلت بهدوء تقيل:
"أيوه."
سكتت لحظة… وبعدين سألت: "مين؟"
بلعت ريقي… والكلمة خرجت بصعوبة:
"رامي… ومعاه نهى.. بيلموا آخر حاجة ليهم في البيت."
السكوت اللي حصل بعد الجملة دي… كان تقيل لدرجة إن النفس بقى مسموع. إيمان ضحكت ضحكة ناشفة: "بيلموا إيه؟ رامي
قربت منها وقلت: "يا ريت كان مجرد وعد اتكسر.. هما خلاص خلصوا كل حاجة من وراكم."
الصوت اللي فوق زاد… ارتباك، شنط بتتقفل، وكلام بيتقال بسرعة كأنهم بيحاولوا يهربوا قبل ما المواجهة تحصل. ياسر غمض عينه لحظة… ولما فتحها، الهدوء اللي في ملامحه كان أخطر من أي عصبية.
إيمان همست: "ورّيني."
طلعنا السلم… كل خطوة كانت تقيلة كأننا بنقرب من نهاية حلم. وقفنا قدام الباب. جوه… صوت حركة سريعة، وهمسات متقطعة: "بسرعة يا نهى.. مش عايز أشوف نظرة العتاب في عين ياسر، لازم نمشي قبل ما يحسوا."
إيمان وقفت قدام الباب، إيدها اترعشت، بس سيطرت عليها. قالت بصوت ثابت: "افتحوا."
مفيش رد. الصمت بقى سيد الموقف.
ياسر قرب خطوة… بس أنا قلت بسرعة: "استنى… المفتاح معايا."
طلّعته من جيبي… كان بارد بشكل غريب، كأنه مفتاح لنهاية فصل من حياتنا.
محدش مد إيده ياخده، لحد ما إيمان مسكته بقرار نهائي. فتحت الباب… ورجعت خطوة.
الباب اتفتح ببطء…
واللحظة دي… كانت كفاية.
مفيش حد احتاج يشرح، ولا حد قدر ينكر. الأوضة اللي كانت مليانة ذكريات بقت عبارة عن كراتين مرصوصة، وشنط سفر جاهزة، وأوراق تنازل عن كل حاجة كانت بتربطهم بينا.
نهى وقفت مكانها، مش قادرة ترفع عينها من الخجل بعد ما كانت هي المحرك لقرار "الهروب" ده. ورامي كان واقف متجمد عند الشنطة الكبيرة، كأنه اتسحب منه كل رد فعل قدام إخواته.
الهواء في المكان بقى تقيل… والحقيقة
نهى بدأت تعيط… عياط مفاجئ من ضغط اللحظة.
رامي فتح بقه كأنه هيبرر أو يعتذر… بس الصوت خذله قدام نظرات ياسر.
ياسر بص ليهم، وللشنط، وللبيت اللي فضي من روحه، وبعدين قال بهدوء مخيف:
"كنتوا تقدروا تمشوا من الباب الكبير.. ليه اخترتوا تخرجوا من الشباك واحنا مش شايفين؟"
محدش رد.
لأن الإجابة… كانت واضحة زيادة عن اللزوم في ملامحهم المكسورة.
إيمان ما نطقتش ولا كلمة. دخلت الأوضة وسط الكراتين المرصوصة، ومشت إيدها على خشب السرير اللي كان لسه ريحة ذكرياتنا فيه. مسكت صورة قديمة لينا إحنا الأربعة كانت محطوطة فوق كرتونة مفتوحة، وبصت لرامي بنظرة خلت جسمه يتنفض.
رامي حاول يجمع شتات نفسه، عدل وقفته وقال بصوت مهزوز:
"إيمان.. افهمي.. الظروف كانت أقوى مني، والمشروع اللي دخلته مع نهى كان محتاج سيولة فورية، وما كانش فيه حل غير إني أبيع نصيبي في البيت ده."
ياسر ضحك ضحكة مكتومة، مليانة وجع:
"المشروع؟ بعت ذكرياتنا وسقف بيتنا عشان 'مشروع'؟ والسرية دي كلها كانت ليه؟ كنت خايف نمنعك تاخد حقك؟ ولا كنت خايف تواجهنا بعجزك إنك تحافظ على أمانة أبوك؟"
نهى حاولت تدخل في الكلام وهي بتمسح دموعها:
"يا ياسر، رامي كان عايز يخرجنا من الأزمة اللي إحنا فيها، وما حبش يشيلكم الهم.."
قاطعتها إيمان بصوت حاد زي الموس:
"الهم كان هيتشال لو اتقسم علينا يا نهى.. لكن الغدر ملوش شيلة. إنتو مبعتوش حيطان، إنتو بعتوا الأمان اللي كان بينا.
رامي نزل راسه في الأرض، والسكوت رجع تاني يسيطر على المكان، بس المرة دي كان سكوت "النهايات".
ياسر قرب من الكرتونة اللي فوقيها الورق، سحب عقد البيع وبص فيه بذهول:
"بعت لمين يا رامي؟"
رامي ما ردش.
ياسر زعق بصوت هز الحيطان:
"بعت لمين؟!"
رامي همس وهو مش قادر يرفع عينه:
"للمستثمر اللي كان عايز يهد البيت ويعمله برج.. العقد اتمضى خلاص، والاستلام الصبح."
إيمان سابت الصورة من إيدها، وقعت على الأرض والبراوز ااتكسر ميت حتة. بصت لرامي بنظرة أخيرة، نظرة حد بيودع حد مات فعلاً، وقالت بهدوء يقطع القلب:
"التورتة اللي تحت كانت عشان نفتح صفحة جديدة.. بس واضح إنك قطعت الكتاب كله."
لفت ضهرها وخرجت من الأوضة، وخطواتها على السلم كانت بترن في ودننا كلنا. ياسر بص لرامي بأسى، ومسك إيد رامي وفتحها وحط فيها المفتاح اللي كان مع إيمان، وقال له:
"مبروك عليك الفلوس.. وعزانا فيك إنك خسرتنا."
خرج ياسر ورا إيمان، وفضلت أنا واقفة في النص.. بين رامي ونهى اللي واقفين وسط كراتينهم، وبين ريحة الفرحة اللي كانت بتتجهز تحت وماتت قبل ما تبدأ.
رامي بص لي كأنه بيستنجد بيا أقول أي حاجة، بس أنا كمان لفت ضهري ونزلت.
فتحت باب الشقة وخرجت ورا ياسر وإيمان، وسبت الباب مفتوح ورايا.. البيت اللي اتمضى عقد بيعه بالسر، ما بقاش محتاج قفل ولا مفتاح.
تحت، في الصالة، كانت علبة التورتة لسه مقفولة، والورد لسه ريحته مالية المكان.. بس النور انطفى، والجمعة انفضت، وكل واحد مشي في طريق، والحقيقة