قصة كاملة

لمحة نيوز

أهل القرية فضلوا يضحكوا على الأرملة وهي بتنشف الأكل طول الصيف، لحد ما الوادي اتعزل تماماً.. ضحكوا عليها أول ما شافوا شرايح التفاح بتلمع فوق سطح بيتها زي قطع الذهب. الرجالة كانوا واقفين قدام الدكان الكبير في "وادي آشو"، بيحاولوا يشوفوا وسط الشمس الكوخ الوحيد اللي ساند بضهره على طرف الجبل. صيفها كان حامي، بينشف شجر الصنوبر ويعفر تراب السكة.
وفوق، في الحتة العالية دي، كانت "مارثا ويكفيلد" بتفرش التفاح واحدة واحدة على قماش. قالوا عليها اتجننت، والوجع على اللي فقدتهم كسر عقلها. قالوا مفيش حد ينشف أكل في يونيو إلا لو كان بيخاف من العفاريت. والبلد لما بتقلب على حد، بتبدأ بضحك، وبعدين وشوشة، وبعدين حكاوي بتكبر وتتشرشر كل ما تتقال.
بس "مارثا" مكنتش بتخاف من العفاريت، هي كانت بتخاف من الشتا، وكان عندها حق. كان عندها 42 سنة، شعرها شاب من الجناب وما حاولتش تداريه. إيديها خشنة من شغل الرجالة بيخافوا منه. كانت بتمشي وعارفة بتعمل إيه، كلامها قليل ومبتحكيش لحد هي بتعمل كدة ليه. وعلى شهر يوليو، حوش بيتها بقى زي القلعة.
مناشر خشب عالية عليها لحم غزال مملح بينشف، وسمك متعلق في حبال قشرته بتجمد

في الهوا، وحزم أعشاب تحت السقف، وطماطم متقطعة على مناخل سلك. ريحة الملح والدخان كانت بتوصل للبلد مع الهوا. العيال كانوا بيتمشوا هناك تحدي، والستات يقولوا "مش صح الواحد يفضل ماسك في الماضي كدة".
الرجالة ضحكوا أكتر من الكل، بس "مارثا" مكنتش بترد. كانت بتشتغل من الفجر للمغرب. كل برطمان تقفله تشيله بحرص، وكل حتة لحم وكل كيلو ملح بالورقة والقلم. اشترت ملح أكتر من أي حد، وما اشترتش سكر ولا بن ولا دقيق.. ملح وبس. صاحب الدكان هزر معاها، بس هي مابتسمتش، عشان من أربع سنين الضحك ده كان مالي الوادي قبل ما الكارثة تحصل.
وفجأة التلج نزل في ليلة من ديسمبر. الصبح كان فيه 90 سم تلج، وعلى العصر وصل لمتر ونص وما وقفش. تلات أسابيع و"مارثا" وجوزها "صمويل" وعيالهم محبوسين. الخشب خلص والأكل خلص أسرع. جوزها خرج مرة واحدة بس يجيب خشب، رجع متجمد ورجليه زي الحجر وما خفش بعدها أبداً. حرقوا الكراسي والترابيزة، وحتى رف الكتب، عشان يتدفوا. وفي اليوم الـ 12 الأكل خلص تماماً. "مارثا" كانت بتأكل عيالها لقمة صغيرة وتقولهم إنها مش جعانة، وهي شايفة وشوشهم بتبات صفرا ونفسهم بيتقطع.
"صمويل" مات الأول، وضغط على إيديها
وقالها "انقذي العيال". حاولت بكل قوتها، بس البرد مبيعرفش رحمة. "ويليام" ابنه مات وهو عنده 5 سنين وهو نايم، وبعده بسبع سنين "توماس" مات بعد ما اعتذر لها إنه معرفش يحمي أخوه الصغير. "مارثا" دفنت التلاتة بإيديها في الأرض المتجمدة أول ما التلج داب شوية، وحلفت للجبل إن الشتا مش هياخد منها حد تاني أبداً.
في صيف 1887، الناس نسيت الوجع، بس "مارثا" مكنتش بتنسى. كانت بتراقب الطيور والسناجب وهي بتخزن أكل بجنان. حست بالهوا بيبرد في أواخر يوليو، وعرفت إن الأرض بتوشوش بخطر جديد. القاضي "بلاكويل" طلع لها يعرض يشتري أرضها وقال لها "ست لوحدك مش هتعيشي هنا"، بس هي رفضت. في البلد تحت، الرجالة كانوا بيشربوا ويضحكوا ومطمنين إن وابور الأكل هيوصل دايما.
بس في سبتمبر المطرة بدأت بغزارة، السكة اتسدت، وفي ليلة حصل انهيار جبلي ودمّر الطريق الوحيد للوادي. البلد اتعزلت تماماً؛ لا دقيق ولا ملح ولا مساعدة. الضحك وقف والخوف ملى القلوب. "مارثا" وقفت في كوخها وسط برطماناتها اللي بتلمع في النور، كانت عارفة إن الشتا جاي بدري ومش الكل هيعيش.
أول خبطة على الباب كانت بعد نص الليل. كان ولد عنده 16 سنة اسمه "دانيال"
، هزلان وضعيف. "مارثا" دخلته وأكلته، وقالت له "مفيش حاجة ببلاش، لو هتقعد هنا هتشتغل". وبدأ الخبر يتنشر، وبدأت "مارثا" تفتح بابها للعيال بس. أي طفل أهله يجيبوه كانت تدخله بشرط: "يجيب معاه حمل خشب".
البيت بقى فيه 14 طفل. كانت ماشية بنظام عسكري، الأكل بالجرام ومفيش هدر. "دانيال" بقى دراعها اليمين. في يناير، الدنيا كانت ضباب، و"دانيال" وهو بيصطاد مع طفلين، فيه رجالة من البلد حاولوا يسرقوهم وضربوا نار. الطفل "كولتن" مات، و"مارثا" دفنته جنب عيلتها وحزنت من قلبها بس استعدت.
الرجالة الأشرار "ماركيز" و"إيفل" حاولوا يهجموا على الكوخ ويحرقوه عشان يسرقوا الأكل، بس "مارثا" و"دانيال" كانوا مستعدين بالسلاح والفخاخ وصدوهم. بعدها الحقيقة بانت إن القاضي "بلاكويل" هو اللي كان دافع لهم عشان يخلص من "مارثا". أهل البلد طردوا القاضي، ومع الوقت التلج بدأ يدوب.
على آخر فبراير، الأكل قل جداً. "مارثا" قعدت مع الـ 14 طفل وقالت لهم بصراحة: "هناكل أقل بكتير، ومفيش زيادة لحد ما الزرع يطلع". الكل وافق وهما عارفين إن لولا الست دي، كان زمانهم كلهم تحت التلج. "مارثا" قدرت توفي بوعدها، وحمت اللي فاضلين من وحش
الشتا.

تم نسخ الرابط