مـلاذ الأمـان كـاملة بقلـم انجي الخطيب
«إنـتِ فعـلاً شبـه الـفار الممـل»، قالتها أخـتي وهـي بتضـحك.
وبعديـن جـوزها قـام وراح ناحيـة "الفـار" ده... وكـل اللـي فـي المـكان اتسمـروا من الصدمـة....
"المطعم كان زحمة وشياكة تخنق.. دوشة أصوات داخلة في بعضها، رنة الكاسات، وصوت كمنجة حزين ومستمر مش راضي يسكت."
ليلـى كانت قاعدة في آخر الصالة، مدارية ورا عمود رخام.. المكان المثالي عشان تختفي من العيون. مكنتش عايزة تيجي، وتحايلت على ياسين -جوز أختها- كتير عشان يسيبها في البيت، بس صافي كلمتها بنفسها تلات مرات.. وعدم حضورها كان معناه "إعلان حرب"، وليلى مكنتش لسة قادرة على المواجهة دي، فلبست فستانها الرمادي الهادي وجت....
في نص الصالة، وعلى التربيزة الرئيسية، كانت أختها بتبرق.. كان عيد ميلاد صافي، وهي النهاردة "الملكة".
"وعايزة أقولكم!" صوت صافي قطع الموسيقى والضحك بحدة "أنا سعيدة!"
المعازيم سقفوا بحرارة.
ياسين كان قاعد جنبها، هو الوحيد اللي مسقفش.. كان بيبص لمراته بنظرة خلت ليلى جسمها يقشعر.. كانت نظرة راجل جاب آخره، وطاقتة خلصت....
لثانية واحدة.. نظرة ليلى اتقابلت مع نظرته، بس هو لَف وشه بسرعة. قلبها دق دقة تقيلة.. خمس سنين.. خمس سنين وهما مستخبيين.
"أنا عندي كل حاجة!" كملت صافي وهي واقفة وماسكة كاسها "عندي جوز بيعشقني!" في خده قدام الكل، وهو متهزش، ولا حتى رمش.
"وعندي صحاب زي الفل.. إنتوا!"
ضحك وتصفيق تاني.
"وطبعاً.." صافي سكتت، وعينيها لفت في القاعة لحد ما لقطت اللي بتدور عليه "أختي حبيبتي.. لولوا!"
عازف الساكسفون غلت في نوتة، والصوت شرخ.
ليلى انكمشت في كرسيها، كانت عارفة اللي هيحصل.. ده بقى "طقس" ثابت في كل لمّة....
"قومي يا ليلى.. مستخبية ليه؟ خلّي الناس تشوف "البنوتة الغلبانة" اللي عندي!"
#إنجـي_الخطيب
ليلى قامت ببطء.. عشرات العيون الفضولية والمتسلية بصت عليها، على فستانها الرمادي البسيط اللي تمنه ميجيش جزء من فستان صافي.
"ببص لك يا حبيبتي" صافي قالتها بصوت ناعم، بس عينيها كانت باردة زي التلج "وبسأل نفسي.. إزاي ده حصل؟"
ليلى مكنتش بترد، كان نفسها الأرض تتشق وتبلعها.
"إحنا توأم.. بس يا سبحان الله، مفيش أي شبه! أنا نار!" وصافي فردت دراعاتها بتمثيل "وإنتي.."
ضحكت تاني، والضحكة دي جرحت ودن ليلى.
"إنتي مجرد فار رمادي يا ليلى.. دايماً في الركن، دايماً في الضلمة."
القاعة كلها ضحكت.. مكنتش ضحكة شريرة، كانت ضحكة تسلية، ضيوف صافي متعودين على "نمرتها" دي وبيشجعوها. والضحك ده وجع ليلى أكتر من
"دايماً في حالك ومالكيش حس!" كملت صافي "بس ماله.. بحبك برضه! يا فاري الصغير!"
الناس رفعت الكاسات عشان يشربوا نخب الكلام ده.
ليلى كانت واقفة بتموت من الذل.
شافت ياسين بيحط كاسه ببطء من غير ما يشرب منه نقطة.
بص لها ليلى "عين في عين".
وبعدين قام وقف.
مقامش بعصبية ولا بتهور.. قام ببطء، كأنه بيزيح جبل من فوق كتافه.
المزيكا سكتت.
والكلام انقطع...
#إنجـي_الخطيب
صافي، وهي منتشية بالنصر، لفت لجوزها مستنية يحضنها أو يضيف كلمة تكمّل "الشو".
بس ياسين مكنش شايف مراته أصلاً.
عينه كانت على ليلى.
وبدأ يمشي ناحيتها.
بخطوات موزونة، بيقطع الصالة اللي فجأة بقت زي المقابر.. من التربيزة المنورة في النص، لحد الركن الضلمة اللي ورا العمود...خطوة....والتانية..
تزييق جزمته الغالية على الرخام كان هو الصوت الوحيد المسموع.
العازف وقف مذهول، والجرسونات اتسمروا في مكانهم.
ليلى نفسها انقطع.. ده كابوس. مش ده اللي اتفقوا عليه.
خطتهم كانت تانية خالص: طلاق هادي، وسفر، وبعد شهور يعلنوا.. بس الخطة اللي اتبنت طوبة طوبة انهارت في لحظة، والسبب كلمة واحدة: "فار"...
#إنجـي_الخطيب
ياسين عدى من قدام شركاؤه اللي بصوله بذهول..
وعدى من قدام صحاب صافي اللي بدأوا يوشوشوا بعض.
"ياسين؟" صوت صافي كسر السكوت، ولأول مرة كان فيه رنة قلق "فيه إيه يا حبيبي؟ هتعني لأختي ولا إيه؟ إيه التمثلية دي؟"
ضحكت ضحكة صفرا مهزوزة...
ياسين مالتفتش وراه، ولا حتى هدى سرعته. فضل مكمل في طريقه، وفي اللحظة دي القاعة كلها اختفت ، ومبقاش فيه غيرهم هما الاتنين.. ممر طويل بين التربيزات والعيون. ليلى كانت شطيفة فكه وهو بيتحرك ب غضب مكتوم، وشايفة قبضته المحموقة.
مكنش سكران، كان "ثاير". بس مش الثورة اللي صافي عارفاها.. مش الزعيق وتكسير الأطباق. كانت ثورة تانية خالص، ليلى بس اللي عارفاها: غضب بارد، عاقل، ومفيهوش رجوع.
وقف قدام تربيزتها بالظبط.. فارع الطول، ببدلته اللي مفيهاش غلطة. ضل العمود كان جاي عليه، بس كان باين أنور من كل كشافات المكان.
"ياسين!" صافي كانت شبه بتصرخ، ووشها اتخطف "ارجع مكانك حالاً! إنت بتهيني قدام الناس!"
شهقة صدمة لفت القاعة كلها.
ياسين لَف راسه ببطء.. مش لليلى، لمراته. بص لها من آخر القاعة، وبصوته الهادي اللي زي حد الموس:
"إنتي اللي أهنُتي نفسك يا صافي."
صافي اترنحت كأنها خدت قلم على وشها.
ياسين رجع بص لليلى، ونظرة الصلب اللي في عينيه لانت.. الغضب اتبخر، ومبقاش فيه غير تعب السنين.. وحنية.
"ليلى،
بس كدة. مجرد اسمها. بس قاله بطريقة صافي مسمعتهاش في ١٥ سنة جواز.
ليلى دموعها نزلت غصب عنها، مكنتش قادرة تتحرك: "ياسين.. أنا.. أنا مش—"
رد بصوت واطي: "عارف."
مد إيده.. كفه مفتوح. دعوة.. أمر.. طوق نجاة.
المكان اتخشب. حد كح بتوتر.
"فيه إيه اللي بيحصل هنا؟!" صافي فقدت أعصابها تماماً "إنتي! يا فار! عملتي فيه إيه؟!"
والصرخة دي.. آخر نقطة سم في الكاس.. كسرت حاجة جوه ليلى.
بصت لإيدها اللي بتترعش.. وبعدين لبصت لإيده.
وحطت صوابعها في كفه.
ياسين قبض على إيدها فوراً، ومساعدهاش بس تقوم.. ده سحبها برا الضلمة. وقفها جنبه. وهما هناك.. مع بعض في نص القاعة.
فستانها الرمادي.. وبدلته الغالية.
وشها اللي غرقان دموع.. وثباته اللي زي الصخر.
ياسين لَف للقاعة المذهولة، ولصافي اللي وشها بقى أبيض من الغل.
"بعتذر لو قطعت الحفلة،" قال بصوت هادي ورسمي "بس أنا خلاص.. ماليش دور في المسرحية دي."
رفع إيديهم المتشابكة عشان الكل يشوف.
"صافي، إنتي عندك حق في حاجة واحدة.. فعلاً إنتوا الاتنين مختلفين جداً."
بص لليلى، والحنية في صوته كانت تخلي الكريستال يشرخ من كتر الصدق.
"سميتيها فار رمادي.. طول عمرك بتسميها كدة. وبتقولي على نفسك نار."
ابتسم نص ابتسامة مريرة: "بس نارك يا صافي بتحرق أي حاجة حية في طريقها.. نار عايزة عبادة وقرابين ومبتشبعش. بتاكل بس مابتديش."
صافي فتحت بوقها ومطلعتش صوت.
"والفار دي.." ياسين لَف لليلى ومسح دموعها بإيده التانية "بق الها ٥ سنين بتنقذني من نارك. ٥ سنين بتسمعني وأنا بنهار. ٥ سنين بتخيط الروح اللي إنتي بتنهشي فيها كل يوم.. كل. يوم. يا صافي."
القاعة شهقت بصوت عالي.. ٥ سنين!
"إيه؟" صافي فحيحها طلع زي التعبان "٥ سنين؟! بتخونوني؟!"
هجمت عليهم بضوافرها وهي بتصرخ "يا خونة! في بيتي! يا زبالة!"
كانت عايزة تلطش ليلى في وشها، ليلى غمضت عينيها بخوف.
بس القلم مجاش. ياسين مسك معصم صافي بمنتهى السهولة، ومبصلهاش حتى. فضل باصص لليلى: "فتحي عينيكي يا ليلى.. متخافيش تاني."
ليلى فتحت. صافي كانت بتعافر عشان تفك إيدها، شعرها اتنكش وبقع حمرا ملت وشها.
"أنا بحبها يا صافي،" ياسين نطر إيد مراته بعيد "وماشي."
"ماشي ورايح فين؟" صافي ضحكت بهستيريا "لها؟ للشقة الضيقة اللي عايشة فيها؟ إنت يا اللي متعود على العز! هتيجي بعد أسبوع وتصوت!"
"أنا كنت بصوت فعلاً يا صافي.. بقالي ١٥ سنة."
دي كانت آخر كلمة. شد على إيد ليلى: "يلا بينا."
ومشيوا. كانت أطول مشية في حياتها. ليلى مبصتش للأرض.. بصت
عدوا من جنب التربيزات.. رجال الأعمال نزلوا عينيهم في الأرض بكسوف غريب. وصحابات صافي بصولها بـ غل في عينيهم.. بس مش غل عشان خطفت جوز صاحبتهم.
لا.. غل عشان هي اللي كان عندها الشجاعة تمشي.
"استنوا!" صافي صرخت وراهم "مش هتروحوا في حتة! ههدكم! هاخد منك كل حاجة يا ياسين.. الشركة.. البيت.. هخليك تشحت!"
ياسين وقف عند الباب. ليلى اتخشبت.
لَف وبص لمراته اللي كانت بتعيط بقهره وسط الهدايا.
"صافي،" قال بهدوء "أنا أصلاً كنت عايش ومعيش حاجة."
زق الباب التقيل وخرجوا من خنقة المكان لبرد الليل.
الباب اتقفل وراهم، وجوه الصالة ساد صمت رهيب.
عازف الساكسفون كح بإحراج.
واحد من المعازيم قام ومشي في سكات، وبعده التاني.. والتالت.
بعد ٥ دقايق، صافي كانت لوحدها على "تربيزة الملكة".. في قاعة فاضية.
الخاتمة
التاكسي كان ماشي بيهم في شوارع القاهرة الهادية.
ياسين مسابش إيد ليلى ولا لحظة. مكنش فيه كلام، كل الكلام خلص جوه.
وصلوا لبيتها.. العمارة القديمة البسيطة.
ياسين دفع الحساب وطلعوا. المفتاح في القفل.. ودخلوا شقتها الصغيره.
ياسين وقف على العتبة. ريحة المكان "كتب وبرفانها".
دخل الشقة دي عشرات المرات "مستخبي".. كان بيدخل زي الحرامية ويخرج قبل الفجر. النهاردة، دخل ببطء.. لأول مرة يحس إنه "ضيف رسمي".
ليلى قادت النور في الأوضة الصغيرة: "أنا.. هعمل شاي."
ياسين قلع الجاكيت وسنده على الكرسي. قعد قدام التربيزة الخشب القديمة.
مفيش رخام.. مفيش دوشة.
صوت الكاتل وهو بيفصل كان أحلى من كل موسيقى العالم.
ليلى جت ومعاها كوبايتين شاي سادة. قعدت قدامه.
"الموضوع كان.. مرعب،" قالت بصوت واطي.
"الموضوع كان حقيقي،" رد وهو بيمسك الكوباية وإيده بتترعش شوية.
"صافي هتدمرك يا ياسين.. هتاخد منك كل حاجة."
بص لها وابتسم: "هي خدت فعلاً.. خدت ١٥ سنة من عمري. مش هتاخد ثانية تانية."
شرب الشاي وقال: "ده أحلى شاي شربته في حياتي."
ليلى غطت إيده بإيدها: "إحنا عملنا إيه يا ياسين؟"
"إحنا نجونا يا ليلى."
بص في عينيها بتعب وفرحة: "هي فعلاً نار يا ليلى.. نار بتحرق اللي يقرب منها. بس إنتي الدفا.. الدفا اللي الواحد عايز يعيش فيه."
نزل على ركبه قدامها، وسند راسه على رجليها بـ إنهاك.
"أنا كدة رجعت بيتي،" همس.
ليلى مررت صوابعها في شعره. بكرة فيه محامين، ومشاكل، وخناقات على ورث وشغل.. صافي مش هتسيبهم في حالهم.
هتبقى معركة طويلة ووسخة..
بس الليلة دي.. هما اللي
"الفار الرمادي" طلعت هي الوحيدة اللي قوية كفاية عشان تحب بجد.. والراجل اللي النار هرسته، لقى أخيراً "الدفا".
#إنجـي_الخطيب