رد الجميل بالسم كامله بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

علاء كان قاعد قدام ست عجوزة، مركز في ملامح وشها كأنه بيدور على مخرج لضميره، أو بيحاول يبرر لنفسه الجرم اللي هيعمله. بس عيونها كانت هادية، فيها نظرة وقار وتجربة.. نظرة ست شافت من الدنيا اللي يخليها تقرأ اللي قدامها من غير ما ينطق. في اللحظة دي علاء تاه، نسي هو جايبها ليه أصلاً، واشمعنى هي بالذات؟
نحنح ورجع يتكلم بصوت بيحاول يخليه واثق: "بصي يا حاجة صفية، أنا مضطر أغيب فترة، ومراتي.. محتاجة حد ياخد باله منها. سألت ولفيت لحد ما قالولي إنك الست اللي تسد في المهمة دي."
الست صفية نفخت بضيق مكتوم، حركة بسيطة بس خلت علاء يتردد ويبتدي يعرق.
"هو الموضوع فيه حاجة شمال؟" سألته بهدوء يخوف.
"لا طبعاً! حاشا لله، مفيش أي حاجة غلط!" رد بسرعة وهو بيفرك في إيده بتوتر. "الحكاية وما فيها إن مراتي طول عمرها كانت شقية وطافحة الكوتة في الشغل، وعمرها ما حطت الحمل من إيدها لحظة. رجلها كانت دوارة مابتشوفش البيت، والظاهر كدة الموتور فوت والمكنة جابت جاز.. الدكاترة بيقولوا أيامها معدودة."
سكت لحظة بيجمع أفكاره، كأن الكلام بيطلع بطلوع الروح، بس في الحقيقة كان حاسس بـ "إنعاش" في قلبه، كأنه بيزيح جبل من فوق صدره.
"أنا كمان بني آدم يا حاجة. بقالي سنين عايش مع حد عامل زي الآلة، تعب وشقى وبس. نفسي أشم نفسي شوية، أخرج وأعيش لي يومين. ولو حصل نصيبها وأنا مش هنا.." فتح إيديه بقلة حيلة مصطنعة. "ماتقلقيش، هفهمك كل كبيرة وصغيرة، وهعرفك تتعاملي معاها إزاي."
بصت له صفية بتمعن وقالت: "يعني رتبت كل حاجة؟"
هز علاء راسه بابتسامة صفرا مريضة: "أيوه، وياريت

البيت يرجع ينطق من تاني بوجودك.."
مكملش الجملة، بس عينه كانت بتقول إنه بيتمنى الهدوء والاستقرار بدل الفوضى.
"أوعي تفهميني غلط!" كمل لما شاف علامات الاستفهام على وشها. "أنا هديكي مبلغ يرضيكي، أكتر من أي ممرضة. أنا عارف إنك محتاجة القرش. الدكاترة قالوا أسبوعين، بالكتير شهر. وأنا هغيب أسبوعين وأرجع."
صفية فضلت واقفة في البلكونة تراقبه وهو نازل، ركب عربيته وراح.
مع إن قلبها مكنش فيه حقد، بس الفكرة نغزتها: "حتى ما استناش لما تطلع روحها؟ للدرجة دي القرش خلاه يبيع السنين؟"
بس هي كان مالها؟ الفلوس كانت "طوق نجاة" في الوقت ده، خصوصاً بعد اللي شافته.. بعد السجن.
صفية كانت بطلت ترد على أي حد، ورفضت الزيارات خالص. حتى إنها بعتت لبنتها جواب "يقطع القلب" من جفاه؛ قالت لها ماتجيش ولا تسألي، ورمت بلاها عليها وقالت لها إنها هي السبب في دخولها السجن عشان اختارت جوزها ده.
طبعاً ده كان كدب أبيض، صفية كانت عايزة البنت تكرها وتنسى وجودها، عشان تعيش من غير ما "وصمة" السجن تطاردها.
صفية كانت محبوسة بتهمة قتل جوز بنتها بالسم.
في المحكمة سألوها: "ندمانة يا صفية؟"
ردت بوش مبيتغيرش: "لو قام من تربته، هسممه تاني."
الكلمة دي خلت القاضي يديها أقصى عقوبة، وأهل القتيل ما سابوهاش في حالها.
في الأوضة اللي جوه، كانت "لورا" نايمة زي الخيال، سامعة وشوشة من ورا الباب. حد دخل وحد خرج وعلاء صوته طالع. كان نفسها تقوم، تصرخ، تسأله هو رايح فين، بس كانت "هامدة" تماماً. والنهاردة علاء نسي يرمي لها لقمة.. لا فطار ولا غدا.
بقالها شهور مرمية على السرير.
الدكاترة استسلموا؛ قالوا جسمها زهد الدنيا، كأنها قفلت البوابات ومش عايزة تستقبل حياة. مفيش مرض معين، بس "نفسيتها" هي اللي جابتها الأرض.
علاء كان شايل الهم.. هم وجودها مش هم مرضها. لورا فاكرة اليوم اللي كان بيجهز فيه لرحلة مع أصحابه، وهي وقعت فجأة.
"علاء، روح أنت، ما تعطلكش،" قالتها وهي بتنهج.
"أروح فين والنكد ده في البيت؟" رد عليها بغضب.
"ما تقلقش، هبقى كويسة.. بس بلاش تصرف كتير عشان لو احتجنا علاج."
علاء انفجر فيها: "يعني شقايا وتعبي كله يروح على 'المرض' والدكاترة؟"
"يا علاء أنا طول عمري بشتغل وبشيل معاك.."
"أنتي؟ ده أنتي في سبع سنين ما اشتغلتيش غير سنة، وكل يوم في مصلحة شكل!"
"عشان مابحبش حد ييجي عليا!"
"ظاهر إن محدش طايقك في أي حتة خالص.."
رزع الباب وخرج. لورا ندمت إنها اتكلمت.. هي اللي عودته إنها "حمالة أسية"، ودلوقتي لما مالت، ملقيتش حد يسندها.
باب الأوضة اتفتح بهدوء.. ووقفت ست غريبة على العتبة. شعر أبيض، وقار، وعين بتلمع بالذكاء.
"إزيك يا لورا.. أنا صفية، وجوزك جابني هنا عشان أكون جنبك."
لورا غمضت عينيها واستسلمت لإيد الست صفية وهي بتعدل لها المخدة. لأول مرة من شهور تحس إن في إيد "حنينة" بتمسح على راسها، مش إيد بتلمسها بتأفف كأنها عبء.
الست صفية قعدت جنبها وقالت بصوت هادي زي الموج: "بصي يا بنتي، أنا بنتي كمان كانت هتروح فيها بسبب جوزها. كانت بتداري وتخبي، وتدهن وشها بمكياج عشان تداري الزرقان، وتضحك ضحكة باهتة عشان الناس ما تشمتش فيها. بس أنا قلبي كان حاسس، والضنا غالي يا لورا."
سكتت صفية وخدت نَفَس
طويل وكملت: "جوزها كان واصل، لواء قد الدنيا، ومحدش يقدر يقف قصاده. بس أنا وقفت.. قلبت في كتبي وعرف مفعول الأعشاب كويس. كوباية شاي واحدة، شربها من هنا وما قامش منها تاني. مكنتش محتاجة مجهود أكتر من إني أعمل شوية شوربة خضار."
لورا برقت عينيها بذهول، وحست برعشة في جسمها: "أنتي.. أنتي اللي عملتي كدة؟"
صفية ابتسمت بمرارة وقالت لها: "اشربي الشاي وهو سخن يا بنتي، ده فيه 'خلاصة' هترد فيكي الروح. ما تخافيش مني، أنا مش سفاحة، أنا بس مابحبش الظلم. وعلاء جوزك جالي عشان عارف إن ليا سوابق، كان فاكر إني هخلص عليكي عشان هو يورث ويتهنى، فاكر إن اللي دخل السجن لازم يكون قلبه حجر."
بعد أسبوعين..
البيت اتغيرت ريحته، مابقاش ريحة مرض وكآبة، بقى ريحة بخور وأكل بيتي يفتح النفس. لورا بدأت تقعد، وبعدين بدأت تتسند على صفية وتمشي خطوتين. صفية كانت بتديها "جرعات" من الثقة قبل الدوا.
قالت لها صفية في يوم: "لو مش قادرة تمشي.. احبي. لو خايفة.. اضحكي في وش الخوف. الموت بيخاف من اللي متمسك بالدنيا."
وصلت زيارة سماح وبنتها الصغيرة، واستقبلتهم لورا : "أهلاً يا سماح، نورتي يا بنتي.. الست صفية جوه مستنياكي، هي مكنتش عايزة تظهر في حياتكم عشان خايفة على سمعتكم، بس أنا فهمتها إن 'الست الأصيلة' اللي زيك ماتتخلاش عن أمها أبدًا."
صفية خرجت من المطبخ، وبنتها اترمت وهي بتعيط.
لورا بصت لعلاء وقالت له وهي بتشاور على الباب: "لسه واقف؟ طريقك أخضر.. الباب يفوت جمل."
علاء خرج وهو مش مصدق إن "الموتور اللي فوت" رجع يشتغل أحسن من الأول، وإن الست اللي جابها عشان
"تموت" مراته، هي اللي أحيتها من جديد.
النهاية

تم نسخ الرابط