أبويا سرقني كاملة بقلم انجي الخطيب
كنت لسه بنزف لما أمي شافت رسالتي وما ردّتش.
ابني الرضيع كان نايم فوق صدري، دافي وصغير بشكل يوجع القلب، بينما شاشة موبايلي منورة بأقسى صمت ممكن واحدة تعيشه.
بعد القيصرية بست ساعات، مفعول البنج اختفى وتحول الألم لنار بتشد في جرحي مع كل نفس.
الأوضة ريحتها مطهر ولبن أطفال، والممرضة لسه خارجة، وجوزي كريم كان مسافر لمحافظة تانية بعد ما أبويا أقنعه إن “المصيبة العائلية” اللي في مخزنه ما تستحملش التأجيل.
فبعتّ على جروب العيلة.
“لو سمحتوا… حد ييجي يساعدني؟ أنا بالعافية بعرف أقف.”
أمي شافت الرسالة الأول.
بعدها أبويا.
ولا كلمة.
بعد عشر دقايق، أمي نزلت صورة على فيسبوك وهي بتضحك وسط صحابها في عيد جواز بنت خالتي.
وكاتبة:
“العيلة أولًا… دايمًا ❤️”
فضلت باصة للكلام لحد ما الحروف شاشت قدامي.
ابني اتحرك سنة صغيرة، فحضنته وهمستله:
“متخافش يا نوح… ماما معاك.”
بس صوتي اتكسر.
تاني يوم الصبح، أمي أخيرًا اتصلت.
— “إنتِ مكبرة الموضوع أوي.” قالتها قبل حتى ما أقول ألو.
— “أنا طالعة من عملية.”
— “وستات كتير بتولد كل يوم.”
— “دي كانت جراحة.”
— “وأنا خلفت تلاتة من غير دلع ولا استعراض تعب.”
— “أنا ما استعرضتش حاجة.”
— “بعتّي الرسالة كأنك بتموتي.”
— “كنت محتاجة حد جنبي.”
— “إنتِ محتاجة تنضجي يا سلمى.”
بعدها سمعت صوت أبويا من بعيد:
— “اسأليها فاتورة المستشفى نزلت ولا لسه.”
جسمي كله برد فجأة.
أمي وطّت صوتها:
— “أبوك شايف إن حساباتك أكيد ملخبطة اليومين دول… ممكن يسيطر عليها
— “حساباتي؟”
— “أصل إنتِ عاطفية دلوقتي.”
— “وأنا عندي اتنين وتلاتين سنة.”
— “وبرضه متهورة.” قالتها بعصبية. “ما تنسيش مين رباكي.”
ما رديتش.
بصيت لإيد نوح الصغيرة وهي ماسكة صباعي… وحسيت إن حاجة جوايا سكتت تمامًا.
طول عمرهم بيقولوا إني ضعيفة.
حساسة زيادة.
بنت محظوظة لأنها اتجوزت راجل محترم وعندها “شغلانة كيوت” في شركة.
كيوت.
ولا مرة سألوني أنا بشتغل إيه فعلًا.
بعد ست أيام، وأنا بغير لنوح بإيد، وماسكة جرحي بالإيد التانية، إشعار من البنك ظهر على موبايلي.
“محاولة سحب مبلغ ١١٥ ألف جنيه.”
المكان: فرع بنك في شبرا.
المستخدم المصرح له: محمود عبد الحميد.
أبويا.
ضحكت ضحكة قصيرة وباردة.
مش عشان الموضوع يضحك…
لكن عشان أخيرًا دخل لعبة أنا حافظاها أكتر منه.
أنا ما بلغتش البنك فورًا.
ودي كانت أول غلطة أبويا.
سيبته يفتكر إن المحاولة عدّت من غير ما آخد بالي.
وسيبت نفسي هادية لأول مرة من سنين.
قعدت على السرير، وابني نايم جنبي، وفتحت اللابتوب بإيد بتترعش من الألم مش من الخوف.
أنا كنت شغالة مديرة التزام ومراجعة مالية في شركة كبيرة… شغلي كله قائم على تتبع التحويلات، كشف التلاعب، وفهم الناس اللي بيفكروا إنهم أذكى من النظام.
وأبويا؟
كان طول عمره مقتنع إن بنته “العاطفية” عمرها ما هتفهم في الفلوس زيه.
بس الحقيقة إنه هو اللي ما فهمنيش أبدًا.
دخلت على الحسابات القديمة اللي كنت سايبة اسمه فيها من أيام الجامعة، لما كان بيقنعني إن “الراجل الكبير لازم
ومن وقتها، وهو مستمتع بإحساس السيطرة.
مرة يسحب مبلغ صغير “لسداد فاتورة”، مرة ياخد قرض باسمي “ويسدده بعدين”، ومرة يخليني أمضي أوراق وأنا مش فاهمة.
وأنا كنت بسكت.
مش خوفًا منه…
لكن خوفًا من فكرة إني أخسر أهلي.
بس وأنا باصة لوش ابني الصغير، فهمت إن السكوت دلوقتي مش تضحية… السكوت بقى خطر.
بدأت أراجع كل حاجة.
كل كشف حساب.
كل توقيع.
كل حركة مالية من آخر سبع سنين.
وكل ما أفتح ملف، كنت بحس إني بدخل قبو قديم مليان عفن.
تحويلات غريبة.
بطاقات ائتمان باسمي.
ضمانات قروض.
ومبلغ ضخم اتسحب من حساب توفير كنت فاكرة إنه اتقفل من زمان.
أبويا كان بيستخدم بياناتي كأنها ملكه.
ولما وصلت لنقطة معينة… قلبي وقف فعلًا.
في قرض متأخر باسمي بقيمة مليون ومتين ألف جنيه.
ولو اتأخر أكتر، هيتحول لقضية تهرب مالي.
يعني ببساطة…
كان مستعد يدفن مستقبلي بالكامل عشان يطلع نفسه من ورطته.
في اللحظة دي، نوح بدأ يعيط.
شِلته بسرعة رغم ألم الجرح، وضميته لصدري.
وكانت أول مرة أقول الجملة دي وأنا مؤمنة بيها:
“خلاص… محدش هيأذينا تاني.”
في نفس الليلة، جوزي كريم رجع.
أول ما شاف وشي، عرف إن في حاجة اتكسرت جوايا.
حكيتله كل حاجة.
كنت متوقعة يقولي: “دول أهلك.”
أو “بلاش مشاكل دلوقتي.”
لكنه سكت شوية… وبعدين قال:
— “إنتِ عارفة إن اللي عملوه جريمة، صح؟”
وانفجرت في العياط.
مش عشان اكتشفت الجريمة.
لكن عشان حد أخيرًا صدقني من غير ما يقلل مني.
تاني يوم، بلغت البنك رسمي.
واتفتح
وقدمت بلاغ تزوير واستغلال بيانات مالية.
وأبويا؟
اتصل بعدها بساعتين.
— “إنتِ اتجننتي؟!”
— “لا. فوقت.”
— “أنا أبوكي!”
— “وده كان المفروض يخليك تحميني… مش تسرقني.”
— “إحنا عملنا كل ده عشانك!”
ضحكت بمرارة:
— “عشانّي؟ ولا عشان تفضلوا ماسكين رقبتي؟”
دخلت أمي على الخط وهي بتصرخ:
— “إنتِ هتفضحينا؟!”
— “أنا ما فضحتش حد. أنا بس بطلت أغطي عليكم.”
وقفلت السكة.
بعدها بأيام، الدنيا عندهم بدأت تقع فعلًا.
التحقيقات كشفت إن أبويا متورط في تلاعبات مالية جوه المخزن من سنين.
وكان بينقل فلوس بين حسابات بأسماء ناس من العيلة.
ولما الشركة عرفت، اتفصل فورًا.
أمي بقت تتصل من أرقام غريبة كل شوية.
مرة تعيط.
مرة تدعي عليّا.
مرة تقولي:
— “أبوك ممكن يموت من اللي عملتيه.”
لكن الغريب…
إني ما كنتش حاسة بالذنب.
كنت حاسة بتعب سنين طويلة بيخرج من صدري.
بعد شهرين، وصلني استدعاء أحضر جلسة تحقيق أخيرة.
دخلت المحكمة وأنا شايلة نوح في الكارير.
أبويا كان قاعد بعيد، وشه شاحب وعنيه مليانة كره.
وأمي جنبُه، لأول مرة شكلها ضعيف فعلًا.
بصلي أبويا وقال بصوت واطي:
— “بعد كل اللي عملناه عشانك… دي نهايتنا عندك؟”
بصيتله بهدوء.
وقولت:
— “أنت فاكر إن الأكل والشرب والتربية دي مِنّة.
بس الأب الحقيقي… عمره ما يسرق بنته وهي لسه طالعة من العمليات.”
ما ردش.
القاضي حكم بتجميد كل التعاملات اللي باسمي، وإلغاء القروض المزورة، وفتح قضية جنائية كاملة.
وفي اللحظة اللي خرجت فيها من المحكمة،
السماء كانت رمادي، والهوا برد، ونوح نايم بسلام.
وكريم حط إيده على ضهري بحنان وقال:
— “خلصت.”
بصيت لابني… وابتسمت لأول مرة من ولادته.
لأ.
ما خلصتش.
هي بس… بدأت من جديد.