وريثة المكنة السنجر حكايات انجي الخطيب
الجزء الأول
"بصوا لـ **هنا** بنت أختي.. ريحتها زيت مكن، ولابسة فستان شحاتة، ولسه فاكرة إنها هتبقى (فاشون ديزاينر) وليها شأن في يوم من الأيام."
دي كانت كلمات أختي، **نهال**، وصوتها كان جايب لآخر الصالون في حفلة عيد ميلاد جدتي الـ 80. نهال كانت حاطة إيدها على كتف بنتي **هنا** بمنتهى التعالي، وكأنها ماسكة حتة قماش قديمة بتفرجها للناس.
**هنا** كان عندها يدوب 12 سنة.
**اتناشر سنة بس.**
وكانت لابسة فستان كحلي هي اللي مفصلاه ومخيطاه بإيدها على مكنة الخياطة القديمة اللي جدتي **"الحاجة هانم"** كانت مديالهالها. الفستان ماكنش "ماركة"، ولا كان بيلمع بزيادة، ولا كان بتمن فساتين بنات نهال اللي جايين من أغلى المحلات.. بس كل غرزة فيه كانت معمولة بتركيز وحب. بنتي سهرت تلات ليالي بتفك وتعيد في "الصدر" عشان زي ما قالت لي: "النازلة بتاعته مش مظبوطة يا ماما".
نهال ماشافتش التعب ده.. هي شافت "فرصة" عشان تتنمر.
الحفلة كانت فخمة جداً—عازف كمان، بوفيه مفتوح، ورد طبيعي في كل ركن، وتورتة كانت هتبقى حديث العيلة كله. الكل كان بيتعامل وكأن الفلوس دي "أبا عن جد".. ونسيوا إن العز ده كله بدأ من مشغل صغير في السيدة زينب كانت بتملكه جدتي.
نهال دايماً كانت هي "اللي واجهة العيلة"
أما أنا.. فكنت "البنت الرزينة".. اللي كلامها قليل، وماليش في المنظرة.
وللأسف.. **هنا** طلعت زيي، وبقت هي الهدف السهل في العيلة دي.
لما نهال قالت الكلمة دي، كانت مستنية الكل يضحك.. **وفعلاً ضحكوا.**
أمي ضحكت الأول—ضحكة "دبلوماسية" عشان ماتزعّلش حد. أبويا ضحك بإحراج وهو بيعدل جرافتته. جوز أختي ابتسم ودارى وشه في الكوباية.. حتى ولاد نهال بصوا لـ هنا بقرف وكأن ريحتها وحشة فعلاً.
هنا ماطقتش ولا بكلمة.
نزلت عينيها في الأرض وفضلت تفرك في كم فستانها وهي بتصارع دموعها.
حسيت بدمي بيفور، كنت عايزة أقوم أسمّع أختي كلام عمرها ما سمعته.. بس بصيت لبنتي، وعرفت إن اللحظة دي مش لحظة خناق.. دي لحظة "جبر خاطر".
قربت منها وحطيت إيدي على كتفها وقلت بصوت ناشف:
**"كفاية كدة يا نهال.. مالكيش دعوة ببنتاي."**
نهال لوت بوزها وقالت ببرود:
"يا ستي ما تبقيش حساسة كدة! إحنا بنهزر.. وبعدين لازم حد يفوقها ويقولها الحقيقة، بدل ما تعيش في أوهام وهي لسه بتخيط كستور."
هنا بلعت ريقها بصعوبة..
**وفجأة—**
جدتي **"الحاجة هانم"** قامت وقفت.
ماقامتش زي ست عجوزة محتاجة حد يسندها.. قامت بهيبة الهوانم اللي بيملكو المكان والناس.
المزيكا
وبعدين ابتسمت ابتسامة تقلق..
**"كويس إنك فتحتي سيرة مستقبلها يا نهال،"** الجدة قالتها بمنتهى الرزانة. **"عشان أنا النهاردة قررت أعلن قدام الكل مين اللي هيستلم إداراة المشغل وسلسلة المحلات بتاعتي من بعدي."**
ضحكة أمي اختفت..
وش أبويا جاب ألوان..
وأنا فهمت ساعتها.. إن "الحاجة هانم" نوت تقلب الطاولة على الكل.
كملت "الحاجة هانم" كلامها والصمت كان سيد الموقف، حتى صوت الشوك والسكاكين اختفى تماماً.
## الجزء الثاني
نهال وقفت مكانها، مذهولة، والابتسامة الصفرا اللي كانت على وشها بدأت تتلاشى تدريجياً. قالت بصوت مهزوز: "أكيد قصدك يا تيتا إنك هتبدأي تدربينا، أو تشوفي مين فينا اللي عنده خبرة في الإدارة.. يعني أنا مثلاً بقالي سنين بساعدك في العلاقات العامة للمشغل."
الحاجة هانم بصت لها من فوق لتحت، نظرة خلت نهال تحس إنها صغرت أوي، وقالت:
**"العلاقات العامة دي للناس اللي عايزة تتمنظر، يا نهال.. لكن اللي بيبني البيوت والمصانع هو اللي إيده شقيانة في الغرزة، اللي عارف قيمة الخيط والقماش، اللي بيسهر يفك ويعيد عشان الحاجة تطلع 'مظبوطة
الجدة قربت من **هنا**، اللي كانت لسه باصة للأرض ودموعها محبوسة. رفعت راسها بإيدها بكل حنية وقالت بصوت مسموع للكل:
**"الفستان اللي إنتي لابساه ده يا ليلى، فكرني بأول فستان أنا فصلته وأنا عندي عشر سنين.. نفس الغرزة، نفس الصبر، ونفس العزة."**
بصت للكل وقالت بلهجة آمرة:
**"من اللحظة دي، المشغل الرئيسي والمحلات كلها بقوا ملك لـ (هنا).. تحت وصاية أمها لحد ما تتم السن القانوني. ونهال.. من بكرة مالكيش دخول للمكتب، اللي بيعيب في 'الأسطى' اللي علمه، ملوش مكان وسطنا."**
الحلفان ماوصفش شكل الوجوه ساعتها:
* **نهال:** وشها بقى زي الكرنب المخطوف، وبدأت تبرطم بكلام مش مفهوم عن "العدل" و"الظلم".
* **أمي وأبويا:** وقفوا مذهولين، مش عارفين يراضوا نهال ولا يباركوا لـ هنا ولا يلحقوا يغيروا موقفهم مع الحاجة هانم.
* **أما "هنا":** فرفعت راسها أخيراً، ولمعة عينيها مكنتش دموع حزن.. كانت لمعة فخر.
الحاجة هانم بصت لأختي نهال وقالت لها جملة أخيرة قبل ما تنهي الحفلة:
**"اللبس الغالي بيستر الجسم يا نهال، بس الأخلاق هي اللي بتستر الروح.. وبنت أختك النهاردة كانت أستر منك بكتير."**
الكل بدأ ينسحب في هدوء، والهمس زاد، لكن المرة دي كان عن "هنا" الهانم الجديدة.. مش البنت
**تمت.**