رسالة حماتها كاملة بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

 إياكي تحسبي ورايا مليم.. ولا تتدخلي في اللي مالكيش فيه. الأم دي في كفة لوحدها، دي شيء مقدس.. أما إنتي.. فإنتي مجرد زوجة.
قال نبيل الجملة دي بمنتهى الهدوء، هدوء كان أصعب على هناء من لطشة برد طوبة في عز الشتا.
هو ما زعقش.. وممكن يكون ده هو اللي كسرها بجد.
الزعق ممكن نقول ساعة غضب، قلة نوم، يوم وحش في الشغل.. لكن الكلام الرزين الناشف ده ما بيطلعش إلا لما يكون الشخص خلاص رتّب جواه كل حاجة، وقرر يرمي الورق اللي كان مداريه.
كانت هناء واقفة جنب رخامة المطبخ، والبراد لسه طالع دخانه، بتبص لجوزها كأنها شايفة واحد غريب، مش الشخص اللي عاشت معاه ست سنين في شقتهم الإيجار في عمارة قديمة.
يمكن كتير مننا جرب الشعور ده..
لما تصبر وتطول بالك، مش عشان إنت ضعيف، لكن عشان بتحاول تكون العاقل. تحاول تفهم، تعدي، ما تفركش المركب، وتدور على أي عذر يخليك تصدق إن لسه فيه أمل، عشان ما تضطرش تهد حياتك كلها.
هناء ونبيل ما كانوش أغنيا. حياتهم كانت على القد زي أغلب الناس شغل، مواصلات، سوبر ماركت، وفواتير كهرباء وميّة بتزيد. كان عندهم هدف واحد مصبّرهم على كل حاجة يجمعوا مقدم شقة تمليك.
مش شقة أحلام..
بس شقة حيطانها بتاعتهم، لا حد يطالبهم بزيادة إيجار، ولا صاحبة البيت تبعت رسالة في نص الأسبوع تقول يا مدام هناء، يا ريت تطفوا نور الصالة وإنتوا نايمين، أصل الممارسة غليت.
هناء كانت شغالة محاسبة في شركة شحن صغيرة، ونبيل كان مشرف وردية في مصنع موبيليا. مرتباتهم كانت بتكفي يعيشوا مستورين، ومعاهم عشم في بكرة. والعشم ده هو اللي كان مخلي المركب تمشي.
كانت هناء عاملة كشكول لميزانية البيت كأنه طقس ديني.
تاريخ القبض. فواتير. جمعيات. والباقي يروح للتحويشة.
ساعات بالليل، ونبيل

قاعد قدام التليفزيون، وهي في المطبخ بتجهز عشا خفيف، كانت تفتح أبلكيشن البنك، تراجع الأرقام وتتطمن. كنا بنمشي السلحفاة، بس كنا بنمشي لقدام.
فجأة، الأرقام بدأت تخرف.
أول مرة نقصت ألفين جنيه.
بعدها تلاتة.
بعدين مبلغ محترم ما لوش أي علاقة بطلبات البيت ولا الخضار ولا اللحمة.
هناء قالت لنفسها أكيد أنا اللي غلطت في الحساب، أكيد نسيت أسجل حاجة. الواحد لما بيعيش بالقرش، عقله بيخلق أعذار عشان ما يصدقش إن فيه خرم في السفينة.
لحد ما جه يوم سبت، ونبيل في الحمام، فتحت الموبايل وشافت كشف الحساب. تحويلات ورا بعض لنفس الرقم.
الست فوزية.
حماتها.
خمسة.. عشرة.. سبعة.. ساعات مرتين في الشهر.
هناء فضلت قاعدة على طرف الكنبة، عينيها مش على الموبايل، عينيها كانت على الساعة اللي متعلقة على الحيطة. كان السكون مالي البيت، مفيش غير صوت الغسالة وهي بتعصر، والصوت ده كان بيزود وجع قلبها.
في تمن شهور، طار مبلغ كان ممكن يخليهم يمضوا عقد الشقة بكره.
لكن هناء ما عملتش فضيحة.
استنت لما جه الليل، حطت العشا، وعملت الشاي، وسألته بهدوء عن التحويلات دي.
نبيل هرب بعينيه في الأول، وبعدين اتنهد وقال إن أمه محتاجة مساعدة. ضغطها عالي.. فحوصات.. أدوية.. وبعدين قال إن عليها ديون في البلد. قالها بالنبرة اللي معناها ما كنتش أقدر أعمل غير كده، إنتي أكيد فاهمة.
وهناء فعلاً كانت فاهمة إن الأهل ليهم حق.
هي مش من النوع اللي يمسك القرش لو فيه حد في ضيقة. بس سألته سؤال واحد ليه من ورايا؟ ليه من فلوسنا اللي شقيانين فيها سوا؟ ليه ما قولتليش؟
نبيل طبطب على كتفها وقال
معلش، ما كنتش عايز أشغلك، قولت موضوع وهينتهي.
ورجعت صدقته تاني.
لأنك لما بتحب، بتصدق النسخة القديمة من الشخص اللي قدامك، حتى لو النسخة
اللي قدام عينك دلوقتي بقت حد تاني خالص.
شهر ورا التاني، التحويلات ما وقفتش.
لحد ما سمعت حماتها بالصدفة في التليفون بتقول لواحدة جارتها إنها بتغير شبابيك الألوميتال بتاعة الشقة عشان نبيل كتر خيره مش مخلي نفسي في حاجة.
هنا هناء قلبها اتقبض بجد.
الضغط والدكاترة والأدوية دي أصول..
لكن تغيير ديكورات وشبابيك والبيت مديون، ده استهتار.
رجعت اتكلمت معاه تاني. المرة دي بورقة وقلم. ورته الميزانية، ورته إنهم بيتأخروا سنين عن حلمهم. قالتله إنها مش ضد المساعدة، بس لازم يتفقوا على مبلغ ثابت، عشان ما يفضلوش عايشين عمرهم كله في شقة إيجار بفرش متهالك.
نبيل حتى ما بصش في الورق.
قال كلمة واحدة
إنتي بقيتي مادية أوي.. مش كل حاجة في الدنيا بتتحسب بالأرقام.
هناء سكتت. رغم إن كان نفسها تقوله إن اللي بقالها ست سنين بتوفر في لبسها وأكلها وما بتروحش مصيف عشان نبني مستقبلنا، من حقها تحسبها بالأرقام.
في الصيف، اقترحت عليه يسافروا حتى 3 أيام لإسكندرية.
مش عايزين فنادق غالية ولا مطاعم.. بس يتمشوا سوا، يشموا هوا، ويفتكروا إنهم زوجين، مش اتنين شغالين عشان يدفعوا إيجار وفواتير.
نبيل رفض.
قال إن الوقت مش مناسب والمصاريف كتير.
وبعدها بتلات أيام، شافت تحويل ب 15 ألف جنيه.. لنفس الرقم. الست فوزية.
عرفت بعدها إن حماتها دخلت مركز تجميل وتغذية عشان ركبها بتوجعها وعايزة تخس، وقالت إن المستشفيات الحكومية زحمة وقرف.
ليلتها هناء ما اتكلمتش.
خرجت وقفت في البلكونة، والدنيا كانت ليل وهوا. كانت حاسة إنها بتتمسح من حياتها بالتدريج. إن وجودها ملوش قيمة غير إنها شريكة في المصاريف ومخزن للصبر.
في الشتا، الموضوع بقى أصعب.
كل كلام عن الفلوس كان بينتهي بنفس الجملة.
هناء تتكلم عن الاتفاق..
نبيل
يتكلم عن بر الوالدين.
هناء تتكلم عن شقتهم..
نبيل يقولها إنتي ما بتفهميش يعني إيه عيلة.
والأصعب من الفلوس، كان طريقته وهو بيقلب الترابيزة عليها. بيحسسها إنها هي اللي قلبها جحد، هي اللي طماعة، هي اللي مستخسرة في أمه اللقمة.
الواحد ما بيفقدش ثقته في نفسه في يوم وليلة.
في الأول بتلتمس عذر.. بعدها بتبدأ تنقي كلامك بحذر.. بعدها بتبقى خايف تفتح أي موضوع عشان ما تطلعش إنت اللي غلطان.
لحد ما في يوم بتبص لنفسك في المراية، وتكتشف إنك بقيت توشوش في بيتك من كتر الخوف.
يوم الجمعة اللي فات، كل حاجة خلصت في لحظة.
هناء رجعت من الشغل بدري، وبتحط الغدا، وفتحت الموبايل بالصدفة..
الحساب ناقص 25 ألف جنيه.
ما استوعبتش الرقم.
شافت التحويل.. للست فوزية.
لما دخل نبيل البيت، كانت هناء واقفة في الصالة والموبايل في إيدها.
إنت حولت فلوس تاني؟
أيوه.
الرقم ده كله ليه؟
بدأ كلامه بالنرفزة، مش بالشرح.
عرفت إن سقف بيت العيلة في البلد محتاج يترمم. وفي خمس دقايق، الكلام اتحول لأسطوانة الأم، والجميل، والواجب، وإن هناء معندهاش أصل.
قالتله بصوت واطي
ليه بتاخد قرارات مصيرية في فلوسنا لوحدك؟
وهنا قال الجملة اللي قطعت آخر حبل
إياكي تحسبي ورايا.. الأم دي شيء مقدس.. أما إنتي.. فإنتي مجرد زوجة.
هناء ما ردتش.
في اللحظة دي، كل حاجة نورت في دماغها.
المشكلة مش في الفلوس.
ولا في حماتها.
ولا في سقف البيت ولا شبابيك الألوميتال.
المشكلة كانت في مكانتها عنده.
دخلت الأوضة، طلعت شنطة السفر القديمة اللي كانوا بيسافروا بيها زمان، وبدأت تلم حاجتها.
بهدوء تام.
من غير صويت ولا عياط.
هدومها.. ورقها.. شاحن الموبايل.. وكوبايتها الزرقاء اللي فيها شرخ صغير اللي كانت جايباها من قبل الجواز.
نبيل في الأول
ما صدقش.
إنتي بتعملي إيه؟ إنتي اتهبلتي؟
هناء قفلت السوستة وبصتله
لأول مرة من سنين..
تم نسخ الرابط