ليلة السقوط في الهاوية حكايات انجي الخطيب
ليلة السقوط في الهاوية
"اهدي واشربي كوباية ليمون، دي مجرد نومة تقيلة"، الكلمة دي كانت آخر حاجة قالها "محمود" وهو بيخطف مفاتيح العربية من فوق رخامة المطبخ، وسابني واقفة مذهولة قدام بنتنا "ليلى" اللي مكملتش عشر أيام، والي كانت رافضة تفتح عينها تماماً.
في اللحظة دي، شريط حياتي اللي كنت فاكراه "مثالي" اتمزق قدام عيني. قعدت على طرف الكرسي وجسمي كله بيتنفض وأنا بلمس خدها.. كانت سقعة، مش مجرد برودة عادية، كانت برودة تخوف. لون جلدها كان باهت زي اللبن القاطع، وشفايفها الصغيرة بدأ يظهر عليها لون أزرق خفيف مرعب.
"يا محمود، البنت مأكلتش بقالها 6 ساعات!"، صرخت فيه والدموع مغرقة وشي، "دي مش راضية تصحى حتى وأنا بغير لها هدومها، البنت فيها حاجة غلط.. لازم نطلع على الطوارئ فوراً!"
محمود وقف قدام المراية يعدل ياقة قميصه ببرود، وهو بيعد رزمة فلوس في إيده—خمسين ألف جنيه، "ملاطيش" القعدة اللي رايحها. بصلّي بزهق وقال: "سارة، بطلي جنون.. دي لسه مولودة، وطبيعي تنام كتير. أنتِ بس عايزة تنكدي عليا وتضيعي الليلة عشان زهقانة وهرموناتك ضاربة."
حط مفاتيح العربيتين في جيبه، ورزع الباب وراه. جريت على تليفون البيت لقيته مقطوع، دورت على موبايلي لقيته غرقان في حوض الحمام.. محمود كان "بالصدفة" وقّعه فيه وهو بيغسل إيده. لقيت نفسي محبوسة في "قصر" من دهب مع طفلة بتنازع، وجوزي هو اللي بنى الحيطان دي حواليا.
من غير تفكير، ومن غير حتى ما ألبس جزمتي، لفيت "ليلى" في بطانية صوف وخرجت أجري في عز مطرة طوبة. الجو كان تلج، والمطر بينزل على وشي زي طعنات السكاكين. كنت
في الناحية التانية من المحروسة، في قعدة دخانها يخنق، كان محمود رافع كاسته بيضحك ويحكي لصحابه إزاي "بيربي" مراته وبيسيطر على طلباتها. وفي نفس اللحظة، كنت أنا في طريق زراعي ضلمة، ورجلي بتنزف، وشفت نور كشافات عربية جاية من بعيد بتشق العتمة.
مشارورتش.. مصلختش.. أنا بس حضنت بنتي بكل قوتي ورميت جسمي في نص الطريق، غمضت عيني ودعيت ربنا إن السواق م يلحقش يفادينا..
### البقية..
بعد خمس ساعات، محمود رجع البيت وهو بيطوح، ريحة الخمرة والسجاير سابقة خطاويه، رمى رزمة الفلوس اللي كسبها على السفرة وهو بيصيح بانتصار.. بس الضحكة ماتت على شفايفه لما شاف "أمين شرطة" واقف في نص الصالة، وفي إيده "فردة جزمة" صغيرة وفاضية.
حكايات انجي الخطيب
الجزء الثاني: الحساب العسير
محمود كان لسه بيترنح من أثر الويسكي، ريحة المكسب والغرور مالية كيانه. "يا سارة! قولي للحكومة اللي عندك دي إننا كسبنا النهاردة نص مليون جنيه!" صرخ وهو بيضحك ضحكة هستيرية، لكن البيت كان غرقان في صمت غريب.. صمت مبيقطعهوش غير صوت تكتكة ساعة الحائط ونظرات أمين الشرطة اللي كانت أهدأ وأرعب من أي عاصفة.
الضابط اللي كان قاعد ورا المكتب الصغير في الصالة قام ببطء، مكنش ماسك سلاح، كان ماسك "فردة جزمة" كروشيه بيضا، لسه فيها ريحة بودرة الأطفال وعليها بقعة دم صغيرة من رجل سارة اللي اتجرحت في الطريق.
"أستاذ محمود؟" الضابط سأل بصوت
محمود بدأ يفوق، الضحكة اختفت تدريجياً، "آه أنا.. في إيه؟ فين سارة؟ وفين البنت؟"
الضابط بص للفوز اللي محمود راميه على التربيزة باحتقار وقال: "سارة مدام حضرتك في العناية المركزة، والطفلة.. الطفلة بين إيدين ربنا. بس أنت مش هتروح لهم، أنت هتشرفنا في القسم بتهمة الشروع في قتل وحجز حرية."
### ليلة المعجزة والموت
نرجع لورا شوية.. للّحظة اللي سارة رمت فيها نفسها قدام العربية. السواق كان شاب بسيط شغال على عربية نص نقل، داس فرامل بكل قوته، العربية لفت وصرخت على الأسفلت ووقفت على بعد سنتيمترات من جسم سارة اللي كانت مغمي عليها من التعب والرعب.
الشاب نزل يجري، لقى ست حافية، لبسها غرقان طين ودم، وحاضنة حتة لحمة حمراء مبيطلعش منها صوت. شالهم وجري بيهم على أقرب مستشفى حكومي. هناك، الدكاترة اتلموا.. "حالة تسمم دم حادة نتيجة ميكروب، والحرارة نازلة لدرجة التجمد"، ده كان التشخيص المبدئي لليلى. أما سارة، فكانت في غيبوبة إجهاد وتكسير في عظام القدم.
سارة فاقت بعد ساعتين، أول كلمة نطقتها وهي بتترعش: "محمود.. الموبايل.. المفاتيح.." حكت للممرضة والضابط اللي كان موجود كل حاجة بالدموع. وصفت السجن اللي جوزها حبسها فيه عشان "مزاجه" ومقامرته.
### المواجهة في بيت "الذهب"
لما محمود وصل القسم، كان لسه بيحاول يستخدم نفوذه وفلوسه: "أنتوا عارفين أنا مين؟ أنا هقلب الدنيا!"
لكن الموقف اتغير تماماً لما دخل "الحج عمران"، والد سارة. راجل صعيدي الأصل، وقار السنين على وشه، بس المرة دي عينيه كانت بتطلع شرار.
عمران قرب من محمود اللي كان متكلبش في الكرسي، ومداش
محمود انهار.. "هي ليلى ماتت؟"
عمران رد بكسرة نفس: "الدكاترة بيقولوا معجزة لو عاشت، بس الأكيد إن سارة ماتت بالنسبة لك. أنت مش بس خسرت بنتك، أنت خسرت شرفك ورجولتك."
### النهاية: عدالة القدر
بعد شهور من المحاكمات، القضية بقت رأي عام. "زوج يتسبب في وفاة طفلته بسبب القمار" كان المانشيت في كل حتة. محمود خسر كل ملوكه.. المحامي خد اللي وراه واللي قدامه وفشل يطلعه براءة. اتحكم عليه بالسجن المشدد بتهمة الإهمال الجسيم المؤدي للموت (لأن ليلى للأسف مقدرتش تقاوم وتوفيت بعد 48 ساعة في الحضانة) وحجز حرية زوجته وتعريض حياتها للخطر.
أما سارة، فخرجت من المستشفى بجروح في رجلها سابت علامات مش هتمشي أبداً.. "وشم الوجع". سابت القصر، ورجعت بيت أبوها البسيط. كانت كل يوم بليل تطلع فردة الجزمة البيضا التانية اللي فضلت معاها، وتشم ريحتها.
في ليلة شت ممطرة، زي الليلة اللي جرت فيها، سارة كانت واقفة في البلكونة، شافت عربية فخمة معدية، بس المرة دي مكنتش خايفة. عرفت إن "الستر" مش في الحيطان العالية ولا في الرخام، الستر في "راجل" بيخاف الله في أهله، مش راجل بيعتبر بيته "رهان" على طاولة قمار.
محمود النهاردة ورا القضبان، بيعد الأيام، والفلوس اللي كسبها في الليلة دي مكنتش كفاية حتى تشتري له "راحة بال" ثانية واحدة من شكل ليلى وهي زرقاء، أو شكل سارة وهي بترمى نفسها للموت عشان تنقذ اللي ضيعه هو بدم بارد.
**تمت.
حكايات انجي الخطيب