طمع اب حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

عشان يرجع لبنتها الأمان اللي أبوها هزّه بجهله. وفي يوم، رن تليفون نورا، كان محامي أحمد.
يا مدام نورا، موكلي طالب يشوف بنته، بيقول إنه ندمان ومستعد يعمل أي حاجة عشان تسامحوه، كفاية إنه خسر شغله وسمعته بسبب القضية.
نورا ردت ببرود يحرق الأعصاب قول لموكلك إن الندم مش بيحيي اللي مات، وهو موّت صورته في عين بنته للأبد. سلمى بتصرخ من الرعب لو حد جاب سيرته، والقانون بينا.
قضية الجنايات أخدت مجراها، والمحكمة حكمت على أحمد بالسجن مع الشغل بتهمة الإهمال الجسيم الذي أدى إلى خطر الموت، والوسط كله اتكلم عن الأب اللي كان فاكر نفسه أفهم من الطب والعلم.
في ليلة، كانت نورا قاعدة بتذاكر لسلمى، وفجأة سلمى سألتها ماما، هو بابا مش هييجي يأكلني غصب عني تاني؟
نورا ضمتها لصدرها بقوة وقالت لها لا يا قلب ماما، مفيش حد في الدنيا يقدر يجبرك على حاجة تضرك طول ما أنا عايشة.. إحنا بقينا في أمان، وربنا معانا.
نورا قررت تفتح صفحة على السوشيال ميديا، سميتها حياة سلمى، عشان توعي الأمهات والآباء عن مخاطر الحساسية الغذائية، وإن الموضوع مش دلع ولا وهم، ده حياة أو موت. وبقت قصتها ملهمة لآلاف الناس، وحولت الوجع لرسالة تحمي أطفال تانيين من مصير سلمى.
النهاردة، سلمى كبرت وبقت في المدرسة، وكل يوم الصبح نورا بتراجع معاها لانش بوكس الأكل
بحرص، وهي بتبتسم لبنتها اللي رجعت تضحك من قلبها. أما أحمد، فكان بيقضي أيامه ورا القضبان، مبيسمعش غير صدى صوت صراخ بنته وهي بتنهج، وندم الدنيا كله مكنش كفاية يغسل اللي عمله.
خلصت الحكاية، بس الدرس فضل محفور في القلوب الجهل لما يتحد مع الكبر، بيبقى أفتك من أي مرض.. والضنا غالي،
بعد سنين، سلمى كبرت وبقت عروسة زي القمر، داخلة الجامعة بضحكة بتنور وشها، والندبة الصغيرة اللي في رقبتها من أثر أنابيب الأكسجين بقت بالنسبة لها وسام نجاة، شاهد على إن ربنا كتب لها عمر جديد. نورا كانت واقفة بتبص لها بفخر وهي بتظبط لها لبسها في أول يوم دراسة، والدموع محبوسة في عينيها.. دموع انتصار.
في اللحظة دي، شافت راجل واقف بعيد عند بوابة الجامعة، عجوز قبل أوانه، ظهره محني وشعره كله شايب، كان أحمد بعد ما قضى عقوبته وخرج للدنيا وهو ملوش فيها مكان. كان واقف بيبص لبنته من بعيد بكسرة، مش قادر يقرب خطوة واحدة، لأن الحكم اللي أخده من المحكمة خلص، بس الحكم اللي أخده من قلب بنته مؤبد.
سلمى لمحت عينه، وقفت ثانية واحدة، نورا قلبت اتخطف وخافت، لكن سلمى كملت طريقها عادي جداً، وبصت لمامتها وابتسمت وقالت يلا يا ماما عشان منتأخرش. الكلمة كانت رصاصة في قلب أحمد، عرف ساعتها إن التجاهل أقسى بكتير من العتاب، وإنه بجد بقى مجرد غريب في قصة
هو كان المفروض بطلها.
نورا لفت وشها ومشت مع بنتها وهي حاسة إنها أدت الأمانة، وإنها قدرت تزرع في بنتها القوة زي ما حمتها من الموت وهي صغيرة. ومن يومها، مبقاش في حياتهم مكان للخوف ولا للجهل.
أحمد فضل واقف مكانه لحد ما اختفوا عن عينه، ورجع لبيته الفاضي وهو بيفتكر جملته القديمة الخضار هيخليكي حديد.. مكنش يعرف إن الجهل هو اللي هيخليه خشب ملوش قيمة، وإن القسوة مابتجيبش غير الندم اللي بياكل في صاحبه لحد ما ينتهي.
وانتهت الحكاية بإن الحق مبيضعش، وإن الأم لما بتقرر تحمي ضناها، بتبقى أقوى من أي ظرف وأشرس من أي عدو.. حتى لو كان العدو ده هو اللي كان في يوم سكن.
سنين ورا سنين، وسلمى دخلت كلية الطب، اختارت تتخصص في المناعة والحساسية. كانت عايزة تبقى هي الدرع اللي بيحمي الأطفال اللي زيها من أي أب جاهل أو مجتمع مش مقدر خطورة المرض. وفي يوم تخرجها، القاعة كانت بتتهز من التصفيق وهي طالعة تستلم شهادتها بامتياز مع مرتبة الشرف.
نورا كانت قاعدة في الصف الأول، لابسة أحلى ما عندها، ودموعها نازلة من الفرحة وهي شايفة تعب العمر كله بيتوج قدام عينيها. سلمى وهي واقفة على المنصة، مسكت المايك وقالت النجاح ده مش ليا لوحدي.. النجاح ده للست اللي حاربت الدنيا كلها عشان تخليني أتنفس، الست اللي علمتني إن الحب مش كلام، الحب هو
إنك تحمي اللي بتحبه حتى من أقرب الناس ليه لو كان هيأذيه.. شكرًا يا أمي.
في الوقت ده، كان أحمد قاعد في أوضة ضيقة في بيت قديم، فاتح التليفزيون على بث مباشر لحفلة تخرج الدفعة، شاف بنته وهي بتكرم أمها قدام الدنيا كلها. حاول يلمس صورتها على الشاشة بإيده اللي بتترعش، بس الصورة كانت بعيدة أوي.. أبعد من إنه يوصل لها. عرف إن اللقمة اللي غصبها عليها زمان، كانت اللقمة اللي سدت كل طرق الرجوع ليه.
سلمى اتخرجت وفتحت أكبر مركز لعلاج الحساسية في مصر، وسمته مركز نورا. وبقت كل ما طفل يدخل لها وأبوه يقول بجهل يا دكتورة ده دلع، تبصله بنظرة قوية وتقوله أنا كنت هموت بسبب الكلمة دي.. المرض مش دلع، والإهمال جريمة.
نورا فضلت جنب بنتها، سند وضهر، لحد ما شافت ولاد سلمى وهما بيلعبوا حواليها، وكانت دايماً بتوصي سلمى يا بنتي، علميهم إن الصحة أمانة، وإن الكلمة الطيبة والوعي هما اللي بيبنوا البيوت، مش العند والقسوة.
عاشوا في سعادة وهدوء، وأحمد فضل مجرد ذكرى باهتة في ملفات المحاكم وفي ركن منسي من الذاكرة، درس قاسي لكل واحد فاكر إن الرجولة سبيان رأي حتى لو على حساب روح بريئة. ومن هنا خلصت حكاية سلمى ونورا، الحكاية اللي بدأت بوجع وانتهت بانتصار، وبقت حكاية بتتحكي لكل أم عشان تعرف إن قوتها هي اللي بتصنع المعجزات.
تمت 
حكايات
انجى الخطيب

تم نسخ الرابط