الامومة الخائنة كاملة حكايات انجي الخطيب
الجزء الأول
لما فوقت لوحدي في شقتي بعد العملية بيومين، عرفت إن فيه حاجة غلط قبل ما حتى أفتح عيني.
البيت كان هسس.. سكوت يوجع القلب.
مافيش صوت خطوات في الصالة.
مافيش ريحة قهوة طالعة من المطبخ.
مافيش صوت أمي الحنين وهي بتناديني من الطرقة.
مجرد صمت.. صمت تقيل وبارد.
من النوع اللي بيخلي قلبك ينقبض قبل ما عقلك يستوعب إيه اللي بيحصل.
الساعة كانت 6:10 الصبح.
نور الشمس كان بيحاول يدخل من ورا ستاير شقتي في "مصر الجديدة"، بس جسمي كان لسه محبوس في أطول ليلة مرت عليا في حياتي.
وجع الجرح في رجلي كان بيحرق.. مش مجرد وجع عادي، ولا شوية تعب من العملية.
كان وجع غشيم بيضرب في كل حتة في جسمي بمجرد ما فكرت أتحرك.
كتمت صرختي وأنا بمسك في الملاية بكل قوتي.
قبل العملية بيومين، الدكاترة حذروني بوضوح:
"يا ليلى، ممنوع أي حركة مفاجئة.. ممنوع سلم، ممنوع توطي، وممنوع تقفي من غير مساعدة. لازم حد يكون جنبك 24 ساعة."
وعشان كدة وثقت في أمي.
عشان كدة ما أجرتش ممرضة.
عشان كدة كنسلت الست اللي كنت اتفقت معاها تيجي تراعيني.
عشان أمي "إلهام"، مسكت إيدي وهي قاعدة جنب سريري في المستشفى، وبصت في عيني وقطعت لي وعد كنت محتاجة أصدقه:
"أنا هفضل جنبك يا بنتي مش هسيبك ثانية.. هو أنا ليا غيرك؟"
وزي الهبلة.. صدقتها.
حاولت
مافيش رد.
صوتي طالع ضعيف وتايه في وسط الشقة الفاضية.
مديت إيدي بتترعش وجبت الموبايل وكلمتها.
تليفونها مقفول.
كلمتها تاني.. "الرقم الذي طلبته قد يكون مغلقاً".
تالت.. رابع.. ولا حس ولا خبر.
الخوف بدأ يزحف في دسمي.
حاولت أقعد، بس الوجع كان زي السكاكين، لدرجة إن عيني زغللت وشوفت نقط سودا. نفسي ضاق، وإيدي نملت، وكنت هقع من على السرير وأنا بحاول أوصل لإزازة الميه اللي على الكومودينو.
ساعتها كلمت أختي الصغيرة "شيرين".
البنت "الدلوعة".. اللي دايماً "مضغوطة"، "حساسة زيادة"، أو "لسه صغيرة" على إنها تشيل مسؤولية.. رغم إن عندها تلاتين سنة!
ردت عليا بعد خامس رنة.
كان فيه صوت مزيكا عالي حواليها.
ناس بتضحك.. وصوت هوا وكأنها راكبة عربية مكشوفة.
"أيوة يا ليلى؟" قالتها بزهق.. "فيه إيه؟"
بلعت ريقي بصعوبة: "ماما فين؟"
سكتت لحظة، وبعدين نفخت كأني قطعت عليها خروجة العمر:
"إحنا في الساحل.. في مارينا."
للحظة افتكرت إن المسكنات مأثرة على وداني.
"إيه؟"
"جينا نغير جو يومين،" قالتها ببرود.. "ماما كانت محتاجة تفصل شوية."
تفصل!
أمي كانت محتاجة تفصل بعد ما راعتني أقل من 48 ساعة!
ضغطت على الموبايل لدرجة إن صوابعي وجعتني:
"يا شيرين.. أنا لسه عاملة عملية.. مش عارفة أتحرك!"
"يا باي يا ليلى،
"دراما إيه؟ أنا بقولك محتاجة مساعدة!"
"إنتي دايماً محتاجة حاجة.."
الكلمة نزلت عليا أتقل من وجع العملية بكتير.
سمعت حد بيضحك وراها، وبعدين سمعت صوت أمي بعيد وهي بتسأل: "مين اللي بيكلمك؟"
شيرين شكلها أبعدت الموبايل بس مش كفاية، وسمعتها بتقولها: "دي ليلى.. بتعمل أفلام كالعادة."
أفلام..
أنا لوحدي، بعد يومين من جراحة صعبة، دايخة، وعرقانة، ومش قادرة حتى أقف على رجلي.. وبقيت "بتاعة أفلام".
زوري اتخنق: "إدي الموبايل لماما."
"ماما بترتاح ومحدش يزعجها."
"دي وعدتني يا شيرين!"
شيرين ضحكت ضحكة صفرا وقالت:
"ماما مش الخدامة اللي جابتهالك يا ليلى، ولا أنا كمان.. إحنا ما اتخلقناش عشان نكون ممرضات عندك."
بصيت للسقف ودموعي نزلت.. بس فيه حاجة جوايا هديت فجأة.. هدوء غريب.
"أنا كنسلت الممرضة عشان هي حلفت إنها مش هتمشي."
"والله ده كان قرارك وإنتي حرة فيه."
"قراري؟"
"أيوة،" قالتها بمنتهى القسوة.. "إنتي دايماً فاكرة إن كل الناس مديونة ليكي عشان إنتي 'العاقلة' اللي بتشيل المسؤولية."
سمعت صوت الميه في الخلفية.. شكلهم كانوا على مركب أو بيتمشوا على البحر.
تخيلت أمي قاعدة لابسة النظارة الشمس وبتشرب عصير ومنعشة، وناسية إن بنتها مرمية في الشقة زي الكلب لا
"أنا مش عارفة حتى أدخل الحمام.." همست بصوت مكسور.
صوت شيرين بقى حاد: "اتصرفي بقى.. كلمي أي حد.. إحنا مش راجعين دلوقتي."
السكة اتقفلت.
فضلت حاطة الموبايل على ودني فترة طويلة بعد ما الخط قطع.
ما صرختش.. ما رميتش الموبايل.. ما حاولتش أتصل تاني.
فضلت نايمة مكاني، باخد نفسي بالعافية وسط الوجع، والحقيقة المرة نورت قدام عيني زي الشمس.
أهلي ما بيحبونيش.
هما بيحبوا اللي "بعمله" عشانهم.
وفي اللحظة اللي احتجت فيها رد الجميل.. بقيت حمل تقيل عاوزين يخلصوا منه.
الأيام اللي جت بعد كدة، علمتني أد إيه الواحد ممكن يستحمل لما يعرف إن مفيش حد جاي ينقذه.
كنت بزحف في الشقة شبر شبر.
كنت بستخدم المخدات عشان أسند جسمي على الحيطة.
كنت بنام بهدومي لأني كنت مرعوبة أقع وحد غريب يلاقيني بمنظر مش لائق.
كنت بطلب أكل "ديليفري" وأدي الطيارين "بقشيش" كبير لأنهم كانوا الوجوه الوحيدة اللي بشوفها.
واحد من بتوع الديليفري لاحظ إني بترعش وسألني بخوف: "إنتي كويسة يا آنسة؟ محتاجة أطلب لك إسعاف؟"
كنت هقوله "لأ، مش كويسة".. بس أنا اتربيت طول عمري إني أحافظ على "صورة العيلة".
فابتسمت من ورا السخونية وقولتله: "أنا تمام.. شكراً."
بس أنا ما كنتش تمام خالص.
في الليلة الخامسة، الوجع مابقاش يخليني
وده كان أخطر بكتير.
لأني لما بدأت أفكر، افتكرت كل حاجة.