الوصية الأخيرة حكايات انجى الخطيب
العيلة القديم، وقال لي جملة واحدة خلت جسمي كله يتنفض ياسين، سليم قبل ما يموت ساب نصيبك من ورث أبوك في حساب مقفول باسمك، والشرط الوحيد عشان تستلمه إنك تكون لقيت الولاد. عرفت ساعتها إن أخويا مكنش بس بيراقبني، ده كان بيجهز لي طريق العودة، وإن الولاد دول هما اللي أنقذوني مش أنا اللي أنقذتهم. نديت عليهم كلهم، وجم قعدوا حواليا، وطلعت الظرف وحطيته قدامهم، وقلت لهم بصوت مليان ثبات يا ولاد، آن الأوان تعرفوا إن ربنا مبعتكمش ليا صدفة، إحنا حتة من بعض من زمان قوي.
فتحت الظرف قدامهم والسكوت كان سيد المكان، مريم ويوسف بصوا لبعض باستغراب، والصغيرين زين وليلى كانوا باصين للصور اللي طلعتها بذهول. بدأت أحكي لهم الحكاية من أولها، عن عمهم سليم اللي كان أغلى حاجة عندي، وعن الخناقة اللي فرقتنا والشيطان اللي دخل وسطنا، وعن السنين اللي ضاعت وإحنا بعيد.
مريم سألتني بدموع محبوسة يعني أنت عمنا يا بابا؟
قلت لها وأنا بضمها أنا عمكم
يوسف خد الورق وبدأ يقرأ وصية أبوه، ولما وصل للجزء اللي سليم كاتب فيه يا ياسين، أنا مسامحك ومستني عيالي يتربوا في خيرك، الولد انهار من العياط ورمى نفسه في حضني. مكنتش لحظة حزن، كانت لحظة جبر خاطر من ربنا لينا كلنا.
بعدها بكام يوم، رحت البنك وفتحت الحساب اللي سليم سابهولي، ومكنتش الصدمة في الفلوس، الصدمة كانت في رسالة تانية جوه الصندوق مكتوب فيها الفلوس دي مش ورثك يا ياسين، دي الفلوس اللي أنا حوشتها طول سنين غربتي عشان نفتح بيها المشروع اللي حلمنا بيه وإحنا صغيرين.. سميه باسم ولادنا.
وقفت قدام البنك وأنا باصص للسما، وحسيت إن سليم واقف جنبي وبيبتسم. رجعت البيت وجمعتهم وقلت لهم من بكرة هنبدأ حياة جديدة، هنعمل أكبر مؤسسة لرعاية الإخوة الأيتام عشان مفيش طفل في مصر يتحرم من حضن أخوه، وهنسميها
الحكاية مخلصتش بوجع، دي بدأت بضحكة جديدة، والبيت اللي كان يوم من الأيام مكان للنوم وبس، بقى صرح كبير بيضم مئات الأطفال، وكلهم بينادوني بابا ياسين. وعرفت ساعتها إن العوض مبيجيش بس في اللي فقدناه، العوض بييجي في الأبواب اللي ربنا بيفتحها لنا لما بنفتح قلوبنا للخير.
كبر يوسف ومريم، وبقوا هما اللي شايلين معايا حمل المؤسسة، بيت العيلة مكنش مجرد اسم، ده بقى فعل وحقيقة بتتحس في كل ركن. وفي يوم فرح مريم، كانت واقفة بالأبيض وزي القمر، وقبل ما تخرج من باب البيت، وقفت قدام صورة سليم اللي معلقها في الصالة، وبستها، وبعدين لفت وبصت لي وقالت بابتسامة غرقانة دموع يا بابا، أنا النهاردة أسعد واحدة في الدنيا، عشان عارفة إن بابا سليم مرتاح وهو شايفني خارجة من بيتك وعلى إيدك.
الكلمة هزت كياني، حسيت إن الأمانة وصلت لصاحبها، وإن السنين اللي فاتت مكنتش تعب، دي كانت طبطبة إلهية على جرحي القديم. زين الصغير بقى
وفي ليلة هادية، قعدت على الكنبة اللي كنت زمان بنام عليها وأنا مكسور، بس المرة دي كنت قاعد وسط أحفادي، وهما بيلعبوا حواليا وصوت ضحكهم مالي المكان. بصيت للسما وقلت بقلب راضي الحمد لله يا رب.. أخدت مني ياسين الصغير، وبعت لي أربعة، ورجعت لي أخويا في صورهم.
قمت دخلت أوضتي، الأوضة اللي كنت بخاف منها، وفتحت الشباك عشان أدخل نور الصبح، وغمضت عيني وأنا شامم ريحة الفجر، ومطمن إن القصة مخلصتش بموت، دي بدأت بحياة جديدة، وإن الخير اللي بنزرعه في قلوب مكسورة، هو الوحيد اللي بيطرح جبر خاطر مبيخلصش. وضعت راسي على المخدة ونمت لأول مرة من سنين نوم هادي، وأنا عارف إن بكرة أحلى، مش عشان مفيش وجع، بس عشان بقى عندي عيلة حقيقية، روحها واحدة، ودمها واحد، ومصيرها مربوط بحبل متين مبيتقطعش
تمت
حكايات