الوصية الأخيرة حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

من سنتين الدنيا اسودت في وشي، مراتي وابني اللي كان عنده 6 سنين راحوا مني في حادثة عربية، ومن وقتها وأنا ميت بالحيا، بروح الشغل وأرجع أنام على الكنبة عشان مش قادر أدخل أوضة النوم وأشوف ذكرياتهم. وفي ليلة كنت بقلب في الفيسبوك ولقيت بوست لجمعية خيرية بيطلبوا فيه عيلة تتبنى أربع إخوة، أعمارهم 3 و و و سنين، أهلهم ماتوا ومحدش راضي ياخدهم سوا، فكانوا هيفرقوهم عن بعض وكل واحد يروح بيت. قفلت الموبايل بس الفكرة مطلعتش من دماغي، إزاي بعد ما خسروا أهلهم يخسروا بعض كمان؟ تاني يوم الصبح لقيت رجلي واخداني لدار الأيتام، وهناك الموظفة قالت لي ببرود إن تفريقهم هو الحل الوحيد عشان مفيش حد يقدر يفتح بيت لأربعة مرة واحدة. قلبي وجعني وأول ما شفتهم حسيت برباط غريب، من غير تفكير قلت لها أنا هاخدهم كلهم، ابدئي في إجراءات الكفالة فوراً. الأيام الأولى كانت صعبة، الصغيرة كانت بتعيط وتطلب أمها، والكبار كانوا واخدين جنب مني، بس مع الوقت البيت اللي كان مهجور رجع يملى فيه الضحك واللعب، وحبيتهم كأنهم من صلبي فعلاً. بعد سنة كاملة، الباب خبط ولقيت قدامي ست شيك وماسكة شنطة جلد، بصت لي وسألتني صباح الخير، حضرتك الأستاذ ياسين اللي اتكفل بالأربع إخوة؟ هزيت راسي باستغراب، قامت

مطلعة دوسيه وفتحته وقالت بصوت هادي أنا كنت أعرف أهلهم الله يرحمهم، وقبل وفاتهم سابوا وصية أخيرة كان لازم أوصلها للشخص اللي هيحميهم. خدت منها الورق وإيدي بتترعش، وأول ما عيني وقعت على الكلام، النفس اتقطع مني لما عرفت مين هما أهلهم الحقيقيين.
فتحت الظرف وإيدي بتترعش، الورق كان قديم ومكرمش كأنه اتفتح مية مرة قبل كدة، وأول ما وقعت عيني على الشهادات اللي جواه، الدنيا لفت بيا، حسيت إن جبل وقع فوق نفوخي، الصور اللي في الورق كانت لأخويا سليم ومراته اللي انقطعت أخبارهم من سنين طويلة بعد خناقة كبيرة بينا وبين أبويا الله يرحمه بسبب الميراث، سليم اللي كنت فاكر إنه سافر ونسينا، طلع هو وأولاده عايشين في نفس المدينة وفي فقر مكنتش أتخيله، بصيت للست اللي واقفة وأنا مش قادر أنطق، قلت لها بصوت مخنوق سليم؟ دول ولاد سليم أخويا؟، الست هزت راسها بحزن وقالت لي سليم كان بيراقبك من بعيد يا أستاذ ياسين، ولما عرف إنه بيموت هو ومراته في الوباء اللي فات، وصى إن مفيش حد يحميهم غيرك، بس طلب إني ما أقولكش غير لما أتأكد إنك حبيتهم بجد مش عشان صلة دم، في اللحظة دي العيال دخلوا الصالة وهما بيضحكوا، الصغير زين رمى نفسه في حضني وهو بيقولي وحشتني يا بابا، بصيت في ملامحه ولقيت نسخة
من سليم وهو صغير، دموعي نزلت غصب عني وأنا بضمهم كلهم لصدري، مكنتش مجرد كفالة، دول كانوا حتة مني وراجعين لحضني تاني، كأن ربنا كان بيصبرني على اللي راحوا بيهم هما.
الست سابتني ومشيت بعد ما حطت في إيدي أمانة تهد جبال، وأنا فضلت مكاني مشلول، مش عارف أصدق ولا أستوعب. العيال كانوا بيلعبوا في الصالة، وصوت ضحكهم اللي كان مالي البيت فجأة بقى له صدى مختلف في ودني، بقيت أبص لكل واحد فيهم وأنا بحاول أطلع ملامح أخويا من وشوشهم. زين الصغير كان فيه نفس غمازة سليم، ومريم الكبيرة عندها نفس نظرة عينيه القوية. قمت دخلت المكتب وقفلت على نفسي، طلعت صورنا القديمة وأنا صغير مع سليم، وبقيت أقارن بين الصور اللي في الظرف وبين ذكرياتي اللي حاولت أدفنها سنين. سليم مات وهو شايل مني؟ ولا مات وهو عارف إني الوحيد اللي هصون لحمه؟ قعدت على الأرض ودفنت وشي بين إيديا ودموعي نزلت بحرقة مابكيتهاش من يوم حادثة مراتي وابني. فجأة الباب اتفتح بالراحة، ودخلت مريم ومعاها كوباية شاي، حطتها قدامي وقالت لي بصوت واطي أنت كويس يا بابا؟ الست دي قالت لك حاجة زعلتك؟ بصيت في عينيها وحسيت إن سليم هو اللي بيكلمني وبيطمن عليا. سحبتها لحضني وفضلت أعيط، وهي كانت بتمسح على راسي ببراءة وتقولي ماتخافش
إحنا جنبك. في اللحظة دي قررت إن السر ده هيفضل في قلبي، مش عايزهم يحبوني عشان عمهم، أنا عايزهم يفضلوا يحبوني عشان أنا أبوهم اللي اختارهم واختاروه، والورق ده هيفضل محمي في أمانة الله، زي ما هما هيفضلوا في عيني لأخر يوم في عمري.
مرت الأيام والسر ده بقى زي النار الهادية في قلبي، كل ما أبص لواحد فيهم أشوف أخويا اللي ضاع مني، وبقيت أهتم بكل تفصيلة في حياتهم كأني بعوض سليم عن كل لحظة عشناها في خصام. وفي يوم، وأنا بنضف المكتب، يوسف ابني الكبير دخل عليا وكان ماسك في إيده خريطة راسمها للمدرسة، وهو بيوريهالي عيني وقعت على حركة بيعملها بصوابعه وهو بيفكر، نفس الحركة اللي كان سليم بيعملها بالظبط لما يركز. قلبي دق جامد، وحسيت إن الحقيقة بدأت تتقل على كتافي، والعيال بدأوا يكبروا ويسألوا عن صورهم وهما صغيرين وعن أهلهم. مريم بدأت تلمح إن فيه شبه بيني وبين صور قديمة شافتها لي بالصدفة، وقالت لي في مرة بذكاء يا بابا، هو أنا ليه بحس إنك شبهي أكتر من أي حد تاني؟. اللحظة دي كانت أصعب اختبار، كنت بين نار إني أحكي وأريح قلبي وأعرفهم إن دمنا واحد، وبين إني أحافظ على وعدي لنفسي إن الحب يكون هو الرابط مش القرابة. بس اللي حصل بعد كدة مكنش على البال، جالي تليفون من محامي
تم نسخ الرابط