خمس كلمات غيرت كل شئ حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

 الأكسجين كان خلص، والرصاص مالي الممر، ووالدتك الله يرحمها كانت مخبياك تحت السرير في الدور التالت في الموصل.. أنا مشيت بيك 4 كيلو وسط القنص عشان أوصلك للمستشفى الميداني. مكنتش أعرف إن الزمن هيخليك ترجع ترد لي الجميل ببيادة فوق راسي."
​ياسين رفع راسه ودموعه نازلة زي المطر، وبص للعساكر بتوعه اللي كانوا واقفين زي التماثيل: "الراجل ده.. بطل عمليات خاصة "صاعقة" من اللي التاريخ مبيذكرش أساميهم.. الراجل ده اللي شالني من وسط الموت وأنا طفل في المهمة اللي استشهد فيها والدي.. الراجل ده خط أحمر!"
​لف ياسين لـ "ليلى" وقال بكسرة نفس: "سامحينا يا أمي.. والبيت اللي اتهجم عليه ده، جزمنا فوق راسنا وإحنا داخلينه."
​في اللحظة دي، القائد طلع جهازه اللاسلكي، وبصوت صلب رجع له تاني، قال: "إلغاء العملية فوراً.. الهدف غير صحيح، أكرر، الهدف غير صحيح. انسحاب كامل."
**************
​الانسحاب كان سريع ومفاجئ زي الدخول، المدرعات بدأت تلف وترجع بضهرها في الحارة الضيقة، والعساكر ركبوا وهما باصين في الأرض من الكسفة. القائد "ياسين" فضل واقف لوحده قدام البيت، مكنش قادر يمشي قبل ما يطمن إن "عم راضي" مش شايل منه.
​راضي بص للحارة، لقى الجيران اللي كانوا مستخبيين ورا الشيش بدأوا يخرجوا واحد ورا التاني، بس النظرة في عينيهم اتغيرت؛ من رعب وريبة لذهول واحترام. "راضي" مكنش مهتم بكل ده، كان كل همه "ليلى" اللي كانت لسه بتلم الورق المقطع بكسرة نفس.
​ياسين

قرب من "راضي" وسأله بصوت واطي: "يا فندم.. أنا لازم أعرف، مين اللي عمل فيك كده؟ البلاغ اللي جالنا كان "سري للغاية" ومؤكد إن البيت ده فيه نشاط مشبوه وسلاح.. مين اللي ليه مصلحة يهد بيتك؟"
​راضي سكت لحظة، وبص لآخر الحارة، عند البيت اللي واجهته رخام وعربياته مركونة تسد عين الشمس، بيت "المعلم فرج"؛ المقاول اللي بقاله سنة بيحاول يشتري بيت عم راضي عشان يهده ويبني مكانه برج، وراضي كان دايماً رده واحد: "الأرض دي رويتها بعرقي، ومش هبيعها غير للي خلقني."
​ياسين فهم اللعبة من نظرة عين راضي. مسح وشه بكف إيده وقال بغل: "باع ذمته عشان يرميك في السجن ويخلص منك؟ ماشي يا فرج.. ده الحساب تقل قوي."
​في اللحظة دي، ليلى قامت وقفت، ونفضت هدومها، وبصت للبيض اللي اتكسر واللبن اللي دلق في الأرض وقالت بحرقة: "يا خسارة يا راضي.. الـ 850 جنيه راحوا في الأرض، والعيش اللي وقفنا فيه طابور الفجر بقى طينة.. هنغدي الناس إيه في "مائدة الرحمن" اللي بنعملها كل خميس؟"
​ياسين سمع الكلمة واتصدم.. الراجل اللي كانوا هيعتقلوه، بيجهز أكل للغلابة من معاشه البسيط. طلع محفظته بسرعة وحاول يديها لليلى وهو بيقول: "والله يا أمي ما يحصل.. ده حقك، اعتبريني ابنك وبشارك."
​راضي مسك إيد ياسين بحزم ورجعها مكانها: "إحنا مابناخدش تمن كرامتنا يا سيادة القائد. والـ 850 جنيه دول فدا مصر وفداك.. المهم إنك كبرت وبقيت راجل يملى الهدوم."
​ياسين أدى التحية العسكرية لراضي بقلب بجد، وركب
عربيتة وهو بيحلف إن "فرج المقاول" مش هينام في بيته الليلة دي. الحارة كلها بدأت تتجمع حولين عم راضي، اللي دخل جراجه وسحب "المفتاح الصليبة" وكأنه محصلش حاجة، ورجع يكمل تصليح عربية جارتهم الغلبانة.
​تفتكروا "المعلم فرج" نهايته هتكون إيه لما يقع في إيد القائد ياسين؟ وهل "راضي" هيوافق يسيب حقه ولا كفاية عليه إن الحارة كلها عرفت قيمته؟
************
​قبل ما القائد " يتحرك بص لـ "المعلم فرج" اللي كان واقف بعيد، في بلكونة بيته الرخام، وماسك سيجاره وباصص بابتسامة شماتة، فاكر إن "راضي" خلاص "راح في الرجلين". ياسين بص للعسكري اللي جنبه وقال له بلهجة ترعب: "هاتهولي.. ومن غير شوشرة، خده من قفاه على الميكروباص."
​في ثواني، الابتسامة اختفت من وش فرج، والسيجار وقع من إيده وهو شايف العساكر داخلين عليه بيته. نزل مجرور من وسط الحارة، والناس كلها بتتفرج عليه وهو بيتحايل ويقول: "يا باشا والله فيه سوء تفاهم! أنا بلغت عشان خايف على أمن البلد!".. ياسين نزل من المدرعة ووقف قدامه، وبص له بصه خلت ركبه تخبط في بعضها، وقال له: "أمن البلد يا فرج؟ أنت بلغت عن بطل من أبطالها عشان تبني برج؟ ده أنت هتشوف أيام سودة بطعم الإسمنت اللي كنت عايز تبني بيه."
​رجع "راضي" لورشته، قعد على الكرسي الخشب القديم وهو بيمسح إيده بفوطة صفراء مليانة زيت. "ليلى" دخلت وراه، كانت لسه شايلة كيس العيش اللي نجا من المعركة، وبصت لراضي وقالت:
​"يا راضي، الحمد لله إنها جت على قد
كدا.. بس أنا قلبي واكلني على مائدة بكرة، الناس الغلابة ذنبهم إيه؟"
​راضي بص لها وابتسم ابتسامة صافية:
​"يا ليلى، اللي بيتاجر مع ربنا مبيخسرش.. سيبيها عليه."
​معداش ساعة، والحارة كلها اتقلبت. "الست أم سماح" جارتهم خبطت ومعاها كرتونة بيض، و"عم جابر" البقال جاب شيكارة رز، والشباب اللي "راضي" علمهم الصنعة في مدرسة الصنايع، جم ومعاهم أكياس لحمة وخضار ووقفوا قدام الورشة. واحد منهم قال: "يا عم راضي، إحنا عرفنا كل حاجة.. والله ما حد هيلمس لقمة في بيته بكرة قبل ما المائدة تتفرش وتتوزع، وده أقل واجب للي علمنا نكون رجالة."
​ياسين القائد مخلصش مهمته عند فرج بس، ده بعت عربية "نقل" تابعة للعهدة، نزلت قدام بيت راضي، محملة بكل اللي ليلى كانت محتاجاه وأكتر، ومعاهم رسالة صغيرة مكتوب فيها: "حقك فوق راسي يا والدي.. المائدة بكرة عليا أنا، وده مش تمن الكرامة، ده تمن الأبوة."
​راضي وقف في نص الحارة، بص للسما وقال: "الحمد لله الذي أعزنا بغير حول منا ولا قوة."
ليلى بصت له بدموع فرحة وقالت: "شوفت يا راضي؟ العيش والبيض اللي وقعوا، ربنا بعت بدلهم خير يغدي الحارة كلها."
المعلم فرج اتقفل ملفه، وطلعت عليه قضايا قديمة "نصب وبناء بدون ترخيص" وداق طعم السجن اللي كان عايزه لغيره. أما "عم راضي"، ففضل زي ما هو؛ ميكانيكي بسيط، إيده فيها شحم، وقلبه فيه نور، ونيشانه الحقيقي هو حب الناس اللي عرفوا إن "البطل" مش محتاج بدلة رسمية عشان يبان.. البطل بيبان وقت الشدة.

​تمت.
​حكايات انجى الخطيب

تم نسخ الرابط