خمس كلمات غيرت كل شئ حكايات انجى الخطيب

لمحة نيوز

​أربعة من رجالة شرطة الخاصة هجموا على مراتي وهي شايلة أكياس فيها العيش والبيض وطلبات البيت اللي مكلفة 850 جنيه  بخوف. كنت أنا مرمي على بطني في مدخل بيتي، ايدي مكلبشة ورا ضهري فوق الأسفلت اللي بيغلي من شمس أغسطس، ولما شفت "ليلى" بتقع على ركبها، بصيت للقائد وقلت له خمس كلمات بس.. وقتها الشارع كله كتم نفسه.
​لحد يوم الأربع ده، كان شارعنا "حارة السد" مكان هادي، صوت الراديو طالع من الورش، ريحة الياسمين مع شجر الفاكهة، وجيران بيسلموا على بعض بالأسامي. بيتي كان في آخر الحارة، بيت دور واحد بسيط، علم مصر قديم ومبهت في البلكونة، وطرابيزة ورشة ريحتها دايما زيت محركات وقهوة سادة.
​في سنه اللي عدى الـ 68، "عم راضي" كان بالظبط اللي الناس شايفاه؛ ميكانيكي معاش، صوابعه مطفية من الشحم، وصوته هادي وطويل بال. من نوع الرجالة اللي يصلح لك عربيتك "اللادا" القديمة بملاليم، ويقول لك "خليها عليا يا ابني لما يفرجها ربنا". يوم الجمعة يقضيه في الجامع، ويوم السبت يبني ممرات لكرسي متحرك لواحد جاره عاجز. ويوم في الأسبوع يقضيه في ورشة مدرسة الصنايع، يعلم العيال إزاي يحيوا المواتير الخردة.
​"ليلى" بس هي اللي كانت عارفة إن حياته الحقيقية مش هي اللي الناس شايفاها. كانت عارفة هو ليه بيصحى مخضوض قبل الفجر، وليه وشّه بيتخطف لثانية لو سمع صوت فرقعة بمب في العيد. كانت عارفة ليه النياشين ودرع التكريم لسه في علبتهم تحت الكتالوجات والوصولات القديمة، بدل ما تتعلق في الصالة. 43 سنة جواز علموها الفرق

بين الراجل اللي عايز "منظرة"، والراجل اللي قضى عمره يتعلم إزاي م يلفتش النظر أبداً.
​اليوم كان ماشي عادي جداً. "راضي" كان نصه تحت عربية جارتهم بيغير لها زيت، وصوت إذاعة القرآن الكريم واطي والجو حر. "ليلى" كانت راحت السوق تجيب عيش وبيض وأسبرين والحاجات البسيطة اللي بيجيبها أي اتنين عشرة عمر.
​فجأة دخلت الميكروباصات والمدرعات.
سودا، وسريعة.. سريعة بزيادة على حارة زي دي.
الأبواب اتفتحت بقوة، ورجالة بأسلحة ودروع وخوذ مالوا المكان، زعيق وأوامر قبل ما "راضي" يلحق يسحب جسمه من تحت العربية. في ثانية كان في إيده مفتاح صليبة، وفي الثانية اللي بعدها كانت البيادة فوق راسه وسلاح متوجه لقلبه.
​"راضي" حاول يقول مرة واحدة: "يا ابني في غلط.."
وبعدها سكت خالص.
زقوه على الأرض وكلبشوه، والبيوت اللي حوليه بدأت شبابيكها تتفتح بخوف. "ستات الحارة" وقفوا مصدومين، وعيل بعجلة فرمل لدرجة إن الكاوتش صرّخ على الأرض. الشارع كله فهم في لحظة واحدة: دي مش تمثيلية، دي مصيبة بتحصل هنا، جنب عربية نص تصليح وبقعة زيت سودا في مدخل بيت "الراجل البركة".
​في اللحظة دي "ليلى" ظهرت من أول الحارة.
كانت جاية بتمشي براحة، شايلة أكياسها ووشها اتخطف أول ما شافت جوزها مرمي على الأرض. شافت الدروع، وشافت الخوذ، وشافت هيبة القوة اللي مالية الحارة. وشافتهم وهما بيتحولوا ناحيتها قبل ما حد ينطق بكلمة.
​قلت لهم: "دي مراتي."
قلت لهم: "دي ست مريضة وخايفة."
قلت لهم: "دي شايلة طلبات البيت."
بس الخوف بيخلي الرجالة اللي فاكرة
نفسها دايما صح مبيسمعوش.
واحد فيهم زعق بحدة: "محدش يتحرك من مكانه.. كلو ينبطح!"
​عسكري هجم عليها عشان يبعدها، وخبط دراعها عشان تسيب الكيس. الورق اتقطع بصوت وحش، والبيض اتكسر على الأرض، وكيس اللبن دحرج لحد كاوتش العربية. و"ليلى" وقعت على ركبها، وإيدها اتجرحت من الأسفلت.
​في اللحظة دي، الحارة كلها كانت مستنية "عم راضي" ينفجر.
بس معملش كده.
لا شتم، ولا عافر، ولا قعد يصرخ بتاريخه عشان يحموه. فضل ساكت سكون مرعب، سكون أقدم من الحارة وأقدم من البيت، وأقدم من العساكر اللي واقفة في حوش بيته والتوتر مالي عروقهم. وبعدها عينه جت في عين القائد.
​كان في حاجة في حركة كتف القائد الشمال، تيبّس قديم.. وجع مستخبي. لما رفعوا "راضي" من على الأرض بالعافية، بص في عين القائد من ورا الخوذة وقال بصوت واطي ومبحوح خمس كلمات:
"الموصل.. الدور التالت.. الطفل الأزرق."
​محدش في الحارة سمع الكلمات دي بوضوح.
بس الكل شاف اللي حصل بعدها بثانية.
إيد القائد اتجمدت في مكانها، ولونه هرب من وشه، الشحوب بدأ من خدوده لحد شفايفه. والفرقة كلها، اللي كانت مالية الدنيا زعيق، وقفت فجأة "انتباه" حولين الست اللي واقعة، كأن في باب من الماضي اتفتح فجأة ومحدش فيهم كان مستعد يشوف اللي وراه.
​تفتكر كنت هتقدر تكمل تنفيذ الأوامر لو شفت ست غلبانة بتقع والعيش لسه ؟
وهتعمل إيه لو عرفت إن الراجل اللي اتهان قدام جيرانه ده، هو هو السبب إن القائد ده واقف على رجله دلوقتي؟
************
​سكتت كل الأصوات في الحارة، القائد نزل إيده
اللي كانت بتدي أمر المداهمة ببطء شديد، كأنها بقت وزنها طن. عينه كانت مبرقة، والنفَس طالع من صدره بصوت مسموع.
​"راضي" كان لسه واقف مكانه، مكلبش، بس نظرة عينه كانت هي اللي محاصرة القائد مش العكس. بص "ياسين" لـ "ليلى" اللي كانت بتمسح جرح ركبتها بطرف طرحتها وهي بتبكي في صمت، وبص للعيش والبيض اللي غرقوا في زيت المحركات.. وفجأة، بصوت مهزوز مسموع للكل، قال:
"فكوا الكلبشات.. فوراً!"
​العساكر بصوا لبعض بذهول. واحد منهم اتجرأ وقال: "بس يا فندم، المعلومات بتقول إن ده..."
قاطعه "ياسين" بصرخة هزت جدران البيوت: "قلت فكوا الزفت ده دلوقتييي!"
​اتفك الكلبش، و"راضي" معملش أي رد فعل عنيف. كل اللي عمله إنه مشي ببطء، بضهره المحني شوية من شقى السنين، وراح ناحية "ليلى". مد إيده اللي لسه فيها آثار الشحم، وسندها ب حنية وهو بيقول بصوت واطي: "قومي يا ست الكل.. حقك عليا، نصيبنا كده."
​القائد "ياسين" قلع الخوذة بتاعته، وظهر شعره اللي غزاه الشيب بدري، ومسح عرق جبينه بإيد بترتعش. مكنش قادر يشيل عينه من على "راضي". قرب منه بخطوات تقيلة، لحد ما بقى قدامه بالظبط. الكل كان مستني "ياسين" يكمل المداهمة، لكن اللي حصل خلى ستات البيوت في البلكونات يشهقوا من الصدمة.
​القائد "ياسين" نزل على ركبته قدام "عم راضي"، وطبس راسه في الأرض، وقال بصوت مخنوق بالدموع:
"أنا مكنتش أعرف يا فندم.. والله ما كنت أعرف إنك عايش هنا.. أنا بقالي عشرين سنة بدور عليك عشان أبوس إيدك دي."
​"راضي" حط إيده على كتف القائد، وبص له
بنظرة أب حزين: "كنت طفل أزرق يا ياسين..

تم نسخ الرابط