اختفاء مفاجئ حكايات انجى الخطيب
بقالنا سنة وشهرين مسألنيش يومك كان عامل إزاي.. أنا كنت حاسبة الأيام بالظبط.
أربعتاشر شهر وتلات أسابيع وست أيام عدوا من آخر مرة نادر رفع عينه من موبايله أو التليفزيون، وسألني سؤال بسيط يحسسني إني لسه بني آدمة وليا وجود في البيت. مش مجرد الست اللي بتدفع نص مصاريف البيت، وتملى التلاجة، وتفتكر عيد ميلاد أمه، وتقعد ساكتة في عزومات أهله وهمّ بيوصفوني إني باردة وقماصة وطبعي صعبة.
أخته لمياء كانت دايماً تقول عليا غنونة ومحدش بيفهمها، وحماتي تقول إني بنيت سد بيني وبينهم، وهو كان بيفضل ساكت.. والسكوت ده كان بيوجع أكتر من كلامهم.
أنا مكنتش باردة، أنا كنت بحاول أنجو بنفسي.
محدش بيفضل قلبه حنين في مكان الحنية فيه بتترد بكسرة خاطر، والكلمة الطيبة فيه بقت شحيحة.
في الآخر، شقتنا بقت عاملة زي المتحف؛ كل حاجة فيها شاهدة على كلام ملقناهوش لبعض. كوبايتين شاي في الحوض، جزمته عند الباب، وطرحة بتاعتي مرمية على الكرسي. حياة كاملة مبنية على الروتين والواجبات، ممسوح منها أي دفا. كان لسه بينام جنبي، بس بيديني ضهره من قبل ما نطفي النور. كان بيرجع كل يوم، بس مبيتكلمش غير بالقطارة دفعتي وصل النور؟، فين الشاحن؟، قميصي الأبيض اتكوى؟.. كأني شغالين عنده في حياة مبقاش يحترمها كفاية عشان حتى ينهيها بكلمة وداع.
الناس بتسألني ممشيتيش أنتي ليه ورحتي بيت أهلك من الأول؟
الرد يكسف عشان الوجع وأنا قاعدة في بيتي كان أهون عليا من إني أعترف إني ضيعت ست سنين من عمري في الهوا، وخفت من لقب مطلقة
لحد ما جه يوم تلات الصبح، والشقة كانت هادية.
مش الهدوء الطبيعي بتاع كل يوم.. ده كان هدوء الفراغ.
صحيت الساعة سبعة وإتناشر دقيقة على شمس الشتاء وهي داخلة من الشيش، وكان مكانه في السرير بارد لدرجة خلتني أعرف إنه قايم من بدري أوي. ده لوحده مكنش غريب، نادر ساعات بينزل بدري يلحق شغله في مكتب الهندسة. بس لما دخلت المطبخ، ملقيتش ريحة شاي ولا فطار. مفيش مفاتيح في الطبق اللي على الباب. ملقيتش الجاكت الجوخ بتاعه على الشماعة.
دخلت الأوضة وبصيت على الدولاب.
نص لبسه ملوش أثر.
وقفت بوشي ومن غير شبشب على السيراميك، لسه بنعاس بصة للشماعات الفاضية كأني مستنياها تنطق وتشرح لي اللي حصل.
مفيش ورقة سابها.
مفيش رسالة على الواتساب.
مفيش خناقة ليلة امبارح تخلي اللي حصل ده منطقي.. مجرد اختفاء.
دخلت الحمام، مكنة حلاقته مش موجودة. الدرج التاني في الكومودينو فاضي. شنطة السفر الصغيرة بتاعته اختفت. حتى البرواز اللي فيه صورتنا في العمرة قدام الكعبة شاله من على الرف، وساب مكانه مستطيل نضيف وسط التراب.
المستطيل ده كسرني أكتر من أي حاجة تانية.
كلمته مرة.. الخط قفل.
كلمته التانية.. جرس ومحدش رد.
في المرة التالتة مكنتش لسه اتعصبت، كنت حاسة بالذل.
الساعة تسعة وتلات دقايق بعتله أنت مشيت؟
مردش.
الساعة حداشر وأربعين دقيقة بعد ست سنين عشرة بالمعروف، دي النهاية؟
مردش.
الساعة أربعة وسبعتاشر دقيقة، البواب خبط عليا وقالي إن الأستاذ نادر قاله إنه ساب الشقة وإن في ناس هتيجي تعاينها
اتصدمت ان دي كانت الطريقة اللي عرفت بيها إن الموضوع نهائي.
بعد تلات أيام، كنت قاعدة لوحدي مش قادرة أعمل لقمة آكلها، موبايلي نور برسالة من لمياء.
أخت نادر.
ممكن نتكلم؟ لوحدنا.. ومتقوليش لحد.
فضلت باصة للرسالة، وبعدها جت رسالة تانية.
هو مقالكيش الحقيقة يا إيمان، ولو سكتت أكتر من كده، هبقى بشيل ذنب معاكِ في اللي عمله.
إيدي سقعت وهي ماسكة الموبايل.
كتبت لها حقيقة إيه؟
علامة الكتابة ظهرت.. واختفت.. وظهرت تاني.
وبعدين ردت
قابليني النهاردة الساعة ٧ بالليل في الكافيه اللي ورا المحكمة. وهاتي معاكي مفتاح مخزن العفش اللي في المقطم. إياكي تعرفي نادر إني كلمتك.
مخزن؟
ضربات قلبي بدأت تسرع لدرجة إني مكنتش قادرة أخد نفسي.
لأن نادر طول السنين اللي فاتت كان بيحلف لي إننا معندناش مخزن، وإن عفش أهلي الزيادة ملوش مكان عنده.
وفجأة عرفت، باليقين اللي بيقبض القلب قبل ما تظهر الحقيقة، إنه مش بس سابني.. ده كان بيخطط يهرب ويخبي عني حياة كاملة من ورا ضهري.
الساعة جت ٦٤٥. كنت واقفة قدام المراية بلبس طرحتي، إيدي بترتعش لدرجة إني مكنتش عارفة أظبط الدبوس. مكنتش شايفة وشي في المراية، كنت شايفة علامات الاستفهام اللي مالياني. مخزن؟ حقيقة إيه؟ وليه لمياء بالذات؟
نزلت وركبت تاكسي. طول الطريق كنت ببص من الشباك على شوارع القاهرة والزحمة، حاسة إني في فيلم مرعب ومستنية ال تتر ينزل. وصلت الكافيه؛ مكان مداري ورا المحكمة، قديم وشبه مهجور، مناسب أوي لمقابلة زي دي.
لقيت لمياء
جبتي المفتاح؟ سألتني بصوت واطي ومبحوح.
طلعت المفتاح من شنطتي وحطيته على الترابيزة. لمياء، ريحي قلبي.. في إيه؟ نادر فين؟
لمياء بصت للمفتاح، وعينها دمعت من تحت النظارة. نادر مش هيرجع يا إيمان.. على الأقل مش دلوقتي، ومش ليكي.
سكتت لحظة، كأنها بتجمع شجاعتها، وبعدين قالت الجملة اللي هدت اللي باطي من حياتي نادر اتجوز.. بقاله سنتين.
الكلمة نزلت عليا زي الصاعقة. الدنيا لفت بيا، وحسيت إني هقع من على الكرسي. اتجوز؟ سنتين؟ وأنتي كنتي عارفة؟
محدش كان عارف غيري أنا وأمي، قالتها وهي بتعيط. هو سكنها في شقة في التجمع، والمخزن ده.. المخزن ده هو اللي كان بينقل فيه عفشها وحاجتها بالتدريج عشان ماتحسيش. كان بيسرق من سنيننا، ومن فلوسنا، ومن مجهودك عشان يبني حياة تانية.
سألتها بمرارة، والدموع بتخنقني وليه دلوقتي؟ ليه مشي دلوقتي؟
عشان هي حامل، ردت لمياء بصوت مكسور. وعايزة تعلن الجواز وتعيش حياتها طبيعي. هو مكنش عنده الشجاعة يواجهك، فاختار الهروب.. واختار إنه يرميكي للناس وللبواب ولصاحب الشقة.
قمت وقفت، مش قادرة أسمع كلمة زيادة. أخدت المفتاح من على الترابيزة ونزلت، مش عارفة أنا رايحة فين، بس عارفة حاجة واحدة بس.. إن الست سنين اللي ضاعوا مكنوش بس في الهوا، دول كانوا في جحيم أنا مكنتش شيفاه.
مشيت من الكافيه وأنا مش شايفة قدامي. رجلي كانت بتجرني، والدموع مغرقة وشي تحت الطرحة. مكنتش