اغلي من الحرير بقلم انجي الخطيب

لمحة نيوز

وهم عارفين إن اللي أنقذهم مكنش مجرد راجل غلبان ده كان ملاك بعته ربنا عشان يفكر القرية إن الرحمة لسه موجودة حتى لو استخبت في قلب واحد الناس كلها كانت شيفاه ملوش لزمة
ومرت السنين، والطفلين كبروا وبقوا سند لبعض، والقرية حالها اتقلب؛ قهوة برعي مقتش مجرد مكان للمعسل، دي بقت معروفة ب بيت الغريب، وأي حد محتاج كان بيلاقي هنية واقفة له بالمرصاد لو فكر يرفض. بس قصة منصور مخلصتش عند اختفاءه، فضل الضايع هو السيرة اللي بتتهامس بيها البيوت كل ما الدنيا تمطر، كأنه بقى روح المكان اللي بتحرسه من القسوة.
في يوم، وبعد عشرين سنة بالتمام، والولد اللي منصور أنقذه بقى راجل مالي مركزه واسمه ياسين، وبقى مهندس وبنى مدرسة في القرية وسماها مدرسة المنصور، لقى راجل عجوز قاعد قدام باب المدرسة، شعره أبيض زي القطن، وهدومه نضيفة جداً بس قديمة، وماسك في إيده عروسة مكسورة الرأس، هي هي اللي كانت مع أخته زمان. ياسين قلبه دق لدرجة إنه حس بضلوعه بتترج، قرب منه وهو مش مصدق وعينه اتملت دموع، وسأله بصوت مرعوش
يا حاج.. أنت تعرف صاحب العروسة دي؟
العجوز رفع راسه، عينيه كانت لسه غائرة ونظرتها فيها نفس الحزن القديم بس مخلوط برضا غريب، بصله وابتسم ابتسامة باهتة وقال بصوت واهن
أنا جيت أتطمن بس إن اللي شيلته زمان مطلعش شيلة تقيلة على الفاضي.. وأهو باين إنها طرحت وجابت خير يا ابن الأصول.
ياسين حاول يمسك فيه، حاول يحلف عليه يدخل المدرسة، أو يروح معاه البيت، صرخ ونادى
على أخته اللي كانت جوه، بس العجوز قام بجهد، وطبطب على كتف ياسين بنفس الإيد المشققة اللي شالته من الترعة زمان، ومشى وسط الزحام قبل ما حد يلحقه. اختفى منصور للمرة التانية، بس المرة دي ساب وراه جيل كامل اتعلم إن القيمة مش في الجيب ولا في المنصب، القيمة في الوقفة وقت الشدة. والقرية اللي كانت في يوم من الأيام بتقفل شبابيكها من المطرة، بقت بتفتح قلوبها لكل محتاج، كأن وجع منصور كان المصل اللي شفى القرية من أنانيتها، وفضل منصور الضايع هو أكتر واحد لقى نفسه في عيون كل طفل بيضحك في شوارع القرية.
ومع مروره السنين اتحولت سيرة منصور لأسطورة بتتحكي للعيال قبل ما يناموا عشان يتعلموا يعني إيه رجولة والطفلين اللي أنقذهم ياسين ونور بقوا هما اللي شايلين اسم المنصور في كل عمل خير بيعملوه وفاءً للدين اللي في رقبتهم والقرية اللي كانت في يوم قاسية اتغيرت ملامحها تماماً وبقت القهوة اللي شهدت الذل هي المكان اللي بيتجمع فيه الكل عشان يوزعوا معونات في الشتاء كأن روح منصور لسه بتحوم في المكان وبتفكرهم إن البرد مش برد الجو ده برد القلوب وفي يوم ذكرى العاصفة الكبيرة والبلد كلها متجمعة في ساحة المدرسة اللي بناها ياسين ظهر راجل غريب ملامحه ممسوحة من التعب شايل في إيده شنطة قماش قديمة وطلب يقابل ياسين ونور ولما وقفوا قدامه طلع من الشنطة ورقة صفراء دايبة كانت وصل أمانة قديم المعلم برعي كان مضاه لمنصور زمان كضمان للدين والراجل قالهم الراجل اللي بعتني
قالكم إن الدين اتسدد بالكامل وزيادة وإن الأمانة وصلت لأصحابها ياسين ونور بصوا للورقة ودموعهم نزلت ولما سألوا عن الراجل اللي بعته كان الرد هو الرد اللي عاشوا عليه طول عمرهم واحد كان ضايع ولقى نفسه فيكم ومن يومها محدش شاف منصور تاني بس صورته فضلت محفورة في وجدان كل واحد في القرية مش كواحد غلبان ملوش لزمة لا كبطل حقيقي علمهم إن النور ممكن يطلع من عز الضلمة وإن الإنسان مهما اتهان بيفضل جوهر حقيقته في فعله مش في كلام الناس عنه وانتهت حكاية منصور الضايع اللي ساب وراه قرية كاملة لقيت طريقها بفضله.
وعاشت الحكاية في قلوب الناس وبقت مدرسة المنصور مش بس مكان للعلم دي بقت ملجأ لكل واحد الدنيا جاية عليه وياسين ونور مكنوش مجرد أخوات دول بقوا رمز للرحمة في البلد كلها وفي ليلة شتا قاسية والمطرة بتغسل شوارع القرية زي ليلة الإنقاذ زمان سمع ياسين خبط رزين على باب بيته ولما فتح ملقاش حد بس لقى صندوق خشب قديم ومحفور عليه من بره الأمانة كبرت وفتح الصندوق ولقى جواه سترة قديمة مهلهلة ريحتها دخان ووحدة هي هي السترة اللي لفت جسم أخته زمان ومعاها مبلغ بسيط من المال ورقة مكتوب فيها ده تمن القهوة اللي شربتها عند برعي ليلة ما جيتلكم سددوا عني ديني عشان أمشي خفيف وياسين عرف في اللحظة دي إن منصور كان عايش طول السنين دي بيراقبهم من بعيد بيشوف زرعته وهي بتكبر ومن يومها منصور مظهرش تاني لا في حقيقة ولا في خيال بس صورته وهو شايل العيال فوق كتافه ومعافر
في الطين فضلت هي المنارة اللي بتهدي التايهين في القرية وبقت الناس لما تشوف حد محتاج مبيقولوش ده ملوش لزمة لا بيقولوا يمكن ده منصور جديد وعاشت القرية ببركة ليلة واحدة قرر فيها أفقر واحد فيهم إنه يكون أغنى واحد بمروءته وانتهت حكاية منصور الضايع اللي مكنش ضايع ولا حاجة ده كان هو اللي لاقي الطريق والكل كانوا تايهين عنه.
وبعد ما السنين عدت وهديت العواصف تماماً مات برعي وماتت هنية وراح جيل وجيه جيل لكن سترة منصور فضلت متعلقة في صدر المدرسة كأنها أغلى من الحرير وفي يوم هادي والشمس طالعة بتدفي البيوت ياسين ونور اللي بقوا في خريف العمر كانوا قاعدين قدام باب المدرسة وفجأة شافوا عيل صغير من ولاد القرية بيجري عليهم وهو شايل في إيده ورقة قديمة لقاها تحت حجر عند مدخل القرية القديم الورقة كانت وصية مكتوبة بخط مهزوز لكنه واثق يا ولادي القيمة مش في اللي بنجمعه القيمة في اللي بنسيبه يدفي غيرنا أنا مكنتش ضايع أنا كنت بس مستني اللحظة اللي تخليني إنسان والحمد لله إني مت وأنا منصور اللي بجد وياسين بص للسما وابتسم وهو شايف السحاب بيتمخطر بهدوء وعرف إن منصور لقى راحته أخيراً بعيد عن وجع الأرض وظلم البشر ومن يومها القرية غيرت اسمها وبقت قرية المنصور وعاش الناس فيها على قانون
واحد إن مفيش حد ملوش لزمة وإن الروح اللي بتنقذ طفل هي الروح اللي بتستحق الجنة وانتهت الحكاية بجد لكن أثرها فضل باقِي زي ريحة الأرض بعد المطر.
تمت 
بقلم انجي الخطيب

تم نسخ الرابط