الذل الأكبر كان إن مفيش حد وقف ينقذ العيال غير الراجل اللي الكل كان بيقول عليه ملوش لزمة منصور شافهم على طرف الطريق الزراعي تحت مطرة كانت بتقسم السما نصين كأنها ناوية تمسح القرية من على الوش طفلين صغيرين غرقانين مية جسمهم بيتنفض جنب ترعة فايضة ومغطية الطريق الواد الكبير كان حاضن أخته بضلوعه ودراعاته ازرقت من التلج والعربيات عمالة تعدي وتطرطش عليهم طين واللي يقفل شباكه واللي يدوس بنزين الكل عامل نفسه مش شايف منصور مكنش حيلته بيت ولا معطاف يدفيه ولا حتى اسم نظيف قدام الناس بس لما سمع صرخة البنت الصغيرة في حاجة جواه اتكسرت بطريقة مكنش ينفع بعدها يفضل ساكت اثبتوا مكانكم زعق منصور وهو بينط في المية اللي وصلت لركبته العاصفة كانت بتلطش في وشه والمية ملت عينيه جزمته المقطوعة اتزحلقت في الطين بس كمل وهو بيعافر كأن العالم كله في اللحظة دي متعلق بين إيديه الواد بص له بخوف وهياخد بعضه ويجري وهمس بصوت مرعوش ماتوديناش ليهم يا عمو منصور اتسمر مكانه وسأل ليهم مين يا ابني البنت الصغيرة ضمت على صدرها عروسة مكسورة وقالت للناس اللي قالوا إننا ملناش قيمة وخلاص مبقاش لينا عازة الكلمة دي وجعته أكتر من لسعة البرد قلع جاكت قديم مهلهل ريحته دخان ووحدة ولف بيه البنت الأول وشال الواد على ضهره مفيش باب بيت اتفتح مفيش حد نده عليه ورا الستاير كانت في خيالات بتبص وتتفرج من بعيد
لبعيد وقتها منصور فهم بحزن قديم إن الفقر مش بيخوف الناس اللي بيخوفهم بجد هو المسؤولية مشى في نص الطريق والعيال فوق كتافه والبرق بينور وشه المجهد كان عنده أربعين سنة بس اللي يشوفه يديله ستين دقنه مهملة وإيده مشققة وكتافه محنية من كتر شيل الشكاير في السوق لما بيبقى فيه شغل ومن كتر شيل الهم والجوع لما الشغل بيقطع في البلد كانوا بيسموه منصور الضايع كانوا بيقولوا عليه سكيّر وحرامي وإنه ساب مراته تموت من الحسرة وإن مفيش راجل بيوصل للقاع ده إلا لو كان يستاهل منصور عمره ما رد في حقائق لما بتتقال مش بتنظف سمعة حد دي بس بتفتح جروح قديمة كان أحسن تفضل مقفولة وصل لساحة القرية وهو بيجر رجليه بالعافية العاصفة فضت الشوارع بس قهوة المعلم برعي لسه منورة جوه كان فيه رجالة قاعدة تشرب شاي ومعسل مستكنيين ودافيين منصور زق الباب بكتفه والكلام انقطع فجأة محتاج مساعدة قالها بصوت شرقان لقيتهم مرميين على الطريق المعلم برعي اللي يملك نص المحلات وتلتين ديون الغلابة بصله من فوق لتحت وقال بسخرية هو أنت بقيت تلم عيال من الشوارع كمان يا منصور ناس وطت راسها في الأرض وناس عملت نفسها مسمعتش البنت كحت كحة مكتومة فمنصور قرب خطوة وقال بصوت أعلى محتاجين لبس ناشف لقمة ياكلوها ودكتور يشوفهم ومين بقى اللي هيدفع تمن الكلام ده سأل برعي مش بشر واضح بس ببرود الناس اللي اتعودت تسعر كل حاجة حتى
الروح منصور جز على سنانه وقال أنا اللي هدفع ضحكة مكتومة طلعت من ركن القهوة ضحكة ذلته وكسرت نفسه أنت أنت ممعكش تمن ظلك يا منصور الواد الصغير خبا وشه في رقبة منصور من الخوف هنا منصور اللي كان دايما بيطاطي راسه رفع عينه في عين الكل وما نزلهاش خلاص سجلها ديون عليا بس لو البنت دي جرا لها حاجة هنا قدامكم كلكم متبقوش تقولوا ربنا مخدش باله منها قولوا إنكم شفتوها بعينيكم ومتحركتوش السكوت نزل زي الجبل على المكان فجأة مرات برعي الست هنية طلعت من المطبخ بملاية تقيلة وقالت بلهجة آمرة هات البنت دي هنا يا راجل أنت برعي بصلها بضيق يا هنية قلت لك هاتها محدش ضحك تاني ليلتها والدكتور بيكشف على العيال فضل منصور واقف في الركن المية بتصفي منه على الأرض زي الكلب اللي مسموح له يتدفا بالحيطة بس ممنوع يقرب من النار
فتحت هنية الباب الجانبي اللي بيؤدي لبيتهم الملحق بالقهوة ودخلت العيال بسرعة والكل لسه عينه على منصور اللي كان بينقط مية وطين في نص المحل برعي كان هينطق بس نظرة منصور الثابتة والباردة خلت الكلام يتحشر في زوره لأول مرة المعلم برعي يحس بصغر النفس قدام الضايع اللي ملوش دية الدكتور وصل بعد ربع ساعة وكان وشه باين عليه القلق وهو بيكشف على البنت اللي كانت روحها بتتسحب منها من كتر السخونية الكل كان مالي القهوة بيتفرج من بعيد في صمت مهيب ومنصور لسه في مكانه متحركش سنتي واحد
كأنه تمثال من وجع لما الدكتور طلع ومسح عرق جبينه وقال الحمد لله لحقناها على آخر لحظة لو كانت اتأخرت نص ساعة كمان كان الصدر وقف من التلج البلد كلها اتنفست الصعداء وبرعي نفسه رمى المعسل من إيده وقام وقف في لحظة كأن شيطان الذمة صحي جواه وبص لمنصور وقال خلاص يا منصور لا ديون ولا نيلة الولاد دول أمانة عندي لحد ما نعرف أهلهم فين منصور بصلهم بصه أخيرة مفيهاش عتاب ولا لوم بس فيها حزن يهد جبال ولف ضهره وخرج في المطرة اللي كانت بدأت تهدى شوية الناس حاولت تنادي عليه عشان يشرب حاجة دافية أو يغير هدومه بس هو مكنش بيسمع هو كان حاسس إن المهمة اللي ربنا خلقه عشانها النهاردة خلصت وتاني يوم الصبح القرية كلها كانت بتتكلم عن اللي حصل والكل بقى يدور على منصور عشان يعتذر له أو يكفر عن سنين الذل بس منصور مكنش ليه أثر سألوا عنه في السوق وفي العشة اللي كان بينام فيها ملحقهوش غير منديل قديم كان لافه على جرح في إيده وعروسته البنت الصغيرة المكسورة اللي سابها تذكار على عتبة القهوة منصور الضايع ضاع بجد بس المرة دي ضاع وهو سايب وراه حقيقة واحدة إن أنظف القلوب ممكن تلاقيها تحت أوسخ الهدوم وإن البطولة مش محتاجة غنى محتاجة بس بني آدم حاسس بغيره والطفلين كبروا في بيت برعي وهنية وكل سنة في نفس يوم العاصفة كانوا بيروحوا يقفوا على طرف الطريق الزراعي ويحطوا وردة مكان ما منصور شالهم من
الموت