صرخة من البدروم بقلم انجي الخطيب
في الحارة لسه واقفة بتتوشوش، أم هاني جت جريت عليا وأخدت مني الشنط وهي بتقول تعالي يا حبيبتي، بيتي هو بيتك، والبت دي من هنا ورايح بنتنا كلنا. في القسم تاني يوم، وكيل النيابة كان مذهول وهو بيقرأ التقارير الطبية المزورة، محمد كان بيحاول يرمي التهمة على مراته، ونهى كانت بتصوت وتتهمه هو إنه صاحب الفكرة.. كانوا بياكلوا في بعض زي القطط الجعانة قدام المحقق.
بصيت ل محمد من ورا السلك، مكنتش شايفة ابني اللي ربيته، كنت شايفة غريب، شيطان ندمان بس عشان اتمسك مش عشان اللي عمله. قالي بصوت مكسور هتطلعي ابنك من الحبس يا أمي؟، رديت عليه بكل هدوء وأنا بظبط لفة ليلي ابني مات في البدروم يا محمد.. اللي واقف قدامي ده واحد غريب، والقانون هو اللي هيحاسبه. خرجت من القسم وأنا حاسة إن ظهري اللي كان محني اتفرد، ليلي نامت على كتفي، والشمس كانت طالعة تغسل شوارع القاهرة من وساخة اليوم اللي فات.. ومن يومها، قطعت كل خيط يربطني بيهم، وعشت للي باقية لي، ليلي، اللي هتكبر وتعرف إن جدتها مكنتش عجوز شمطاء، دي كانت السد اللي حماها من وحوش
مرت السنين، وبقت ليلي عندها خمس سنين، كبرت وهي فاكرة إن تيتا هي كل عيلتها، وأنا قدرت بفضل الله وبمساعدة المحامين إني آخد الوصاية الكاملة عليها، والبيت اللي كان هيتجمع عليه الشمع الأحمر، المحكمة حكمت لي بأحقيته كتعويض وحماية للبنت.
في يوم من الأيام، جالي جواب من السجن، كان من محمد. فتحته بإيد بتترعش، كان كاتبه بخط مهزوز، بيحكي فيه إن نهى اتطلقت منه وهي جوه، وإنها رمت عليه كل المصايب وخرجت براءة في قضية التزوير بعد ما لبسته هو الليلة كلها، بس لسه عليها قضايا تانية. كان بيترجاني أروح أزوره، بيقول لي إنه ندمان وعاوز يشوف بنته قبل ما يموت بالحسرة.
بصيت ل ليلي وهي بتلعب في الصالة، شفت فيها براءة كانت هتتدفن تحت التراب بسببه. أخدت الجواب وقطعته حتت صغيرة ورميته من الشباك. ليلي سألتني ببراءة ده إيه يا تيتا؟، بوست راسها وقلت لها دي ورقة قديمة يا حبيبتي، الريح أخدتها بعيد.
الحقيقة إن محمد مكنش ندمان على اللي عمله، كان ندمان على حياته اللي ضاعت، وأنا مكنتش هسمح لريحة الماضي دي تهب على بنتي
قعدت على الكرسي بتاعي في البلكونة، وشفت أم هاني طالعة ومعاها صينية الشاي، ضحكنا سوا واحنا بنشوف ليلي بتجري وتلعب في الشارع وهي آمنة. في اللحظة دي عرفت إن الحق مش بس بيرجع، ده بينور الدنيا كمان. البيت اللي كان مقبرة بقى جنة، والسر اللي كان هيموتنا، بقى هو السبب اللي خلانا نعيش من جديد، مرفوعين الراس وسط الدنيا كلها.
في يوم وليلة، الحارة كلها اتجمعت قدام البيت، بس المرة دي مش عشان خناقة ولا عشان بوليس، دي كانت ليلة حنة ليلي. السنين جرت بيا وكبرت ليلي وبقت عروسة زي القمر، علمتها إن القوة مش في الإيد، القوة في الحق. طول السنين دي محمد خرج من السجن، حاول يجي كذا مرة، يقف على أول الشارع بكسرته وهدومه الدبلانة، بس كان دايماً بيلاقي سور من البشر واقف قدامه.. أهل الحارة اللي شافوا الحقيقة كانوا هما حراسي.
يوم الفرح، وأنا بلبسها الطرحة، ليلي بصت في عيني وقالت لي أنا عارفة
وإحنا نازلين من على السلم، لمحت محمد واقف بعيد، مستخبي ورا شجرة، ملامحه كانت عجوزة وتعبانة كأنه عنده ميت سنة، بصلي نظرة أخيرة مليانة ندم وذل، وأنا بصيت له نظرة واحدة بس.. نظرة ست شافت الموت وغلبت بالصبر. محاولش يقرب، لف ضهره ومشي في الضلمة، كأنه مكنش موجود في حياتنا أصلاً.
الزفة بدأت، وصوت الزغاريد ملى المكان، وريحة البخور غطت على أي ذكرى وحشة. ليلي ركبت العربية وراحت لحياتها الجديدة، وأنا رجعت قعدت على باب البيت، سكنت في مكاني والهدوء رجع تاني. بصيت للسما وقلت الحمد لله.. الحق مش بس رجع يا محمد، الحق عاش، والغدر هو اللي مات واندفن تحت تراب البدروم اللي أنت اخترته لنفسك من البداية. أخدت نفسي طويل، وقفلت باب البيت ورايا، وكنت أول مرة أنام وأنا مش خايفة من بكرة، لأن الماضي خلاص انقطع خيطه، والحاضر بقى ريحته فل وياسمين.
تمت
بقلم