ثـمن رضـا كـاملة بقلـم انجي الخطيب

لمحة نيوز

الجزء الأول ضريبة الدم
كل يوم جمعة، كنت ببعث لأهلي مبلغ ثابت.. لكن في اليوم اللي كسروا فيه قلب بنتي في عيد ميلادها، وقالوا لي بملء الفم عيلتك مش زي عيلة أخوكي، عرفت إني بقالي سنين بدفع تمن رفضي وجحودهم من قوت يومي.
يعني بالنسبة لكم، بنتي متساويش ولاد أخويا؟ بقلم الكاتبة انجي الخطيب 
السؤال طلع من بوقي هادي جداً، لدرجة إني مكنتش عارفة صوتي.. بس من جوايا، كان في حاجة بتتحطم، وعرفت إن المرة دي مفيش تصليح.
أنا اسمي سارة، عندي 27 سنة، عايشة في شبرا مع جوزي محمود وبنتنا ليلى، اللي كان عندها 5 سنين.
بقالى تلات سنين، كل يوم جمعة الساعة 9 الصبح، بعمل نفس التحويل البنكي.
2500 جنيه.
كل أسبوع.
لأبويا وأمي.
عمر ما التحويل اتأخر، ولا مرة نسيته. ساعات الفلوس دي كانت بتخرج من الحساب قبل ما أشتري خزين البيت، وقبل ما ندفع الإيجار، وقبل ما أقرر إذا كنا هنقدر نشتري جزمة جديدة لليلى ولا هتضطر تستحمل القديمة وتضيق على رجلها شوية كمان.
كنت بقول لنفسي دي فترة وهتعدي.. إن البنت الأصيلة لازم تشيل أهلها.. وإن لو أهلي محتاجين، مينفعش أديهم ضهري.
من سنين، أمي كلمتني وهي بتعيط، وقالت إن الديون حطمتهم، وإن شغل بابا في المحل قل خالص وممكن يسيبوا الشقة.. مسألتش كتير، ومديت إيدي باللي أقدر عليه.. وبعدين شوية بشوية، المبلغ زاد لحد ما بقى ال 10 آلاف جنيه في الشهر خناقة بيني وبين لقمة عيشنا.
ليلة في شهر أكتوبر، محمود كان قاعد على ترابيزة السفرة القديمة بيراجع الحسابات.. النور كان بيقيد ويطفي كالعادة، وصوت الشارع عالي، بس السكوت اللي في المطبخ كان أعلى.
بص لي وقال بهدوء يا

سارة، ناقصنا 1500 جنيه على الإيجار.. البنزين دفعناه بالفيزا، وقسط العربية الأسبوع الجاي.
صباعه وقف عند مبلغ التحويل الأسبوعي.
كنت عارفة النظرة دي.. مكنتش نظرة غضب، كانت نظرة تعب.
قلت بسرعة هما محتاجين يا محمود.. أنت عارف الظروف.
تنهد ومسك إيدي والظروف صعبة علينا إحنا كمان.. إحنا عندنا ليلى.
وكأن ليلى سمعت اسمها، جريت في الصالة وهي بتضحك وبتهد مكعباتها.. شعرها المنكوش وبيجامتها اللي جايباها من التخفيضات، وفرحتها الصافية اللي عند الأطفال قبل ما يعرفوا إن الحب ممكن يكون له شروط.
قلت له هاخد شفتات زيادة في الكافيه.. صاحبة الشغل سألتني لو حد يقدر يغطي الويك إيند.
محمود مجادلش.. هو عارف إن أهلي بقالهم سنين بيعزفوا على أوتار الذنب جوايا بتمكن.
اليوم الموعود
قبل عيد ميلاد ليلى ب 3 أسابيع، بدأت أخطط للحفلة بأقل ميزانية.. كانت عايزة حفلة أميرات، ومن كتر كلامها عنها، تحس إنها أهم حدث في التاريخ.
عملت لستة صغيرة
كيكة هعملها في البيت.
زينة رخيصة.
تيجان ورق هقصها بإيدي.
جيلي، وعصائر، وبيتزا، وعزمت 6 من صحابها في الحضانة.
وطبعاً.. عزمت أهلي.
كلمت أمي قبلها بمدة يا ماما، عيد ميلاد ليلى السبت الجاي الساعة 2.. هتيجوا؟
قالت لي طبعاً يا بنتي.. قولي لها تيتة جايبة لك مفاجأة.
كلمتها تاني قبلها بيومين عشان آكد.. لقيتها اتضايقت إحنا مش بننسى يا سارة، قلنا جايين يعني جايين.
قفلت وأنا حاسة إني قليلة الذوق إني شكيت فيهم.
يوم الحفلة كان جميل.. شمس أكتوبر الدافية كانت مغطية الشقة. صحيت بدري خبزت الكيكة، وبحلول الظهر كانت الصالة مليانة زينة بينك وموف.. ليلى لبست فستانها
الموف الجديد اللي كان لقطة بالنسبة لنا.
لما شافت الصالة، عينيها لمعت دي أجمل حفلة في العالم يا ماما!
محمود ابتسم دي لسه مبدأتش يا لولي.
قالت له مش مهم.. هي كده خلاص بقت أجمل حفلة.
المعازيم وصلوا في ميعادهم.. ضحك ولعب وتيجان ورق بتقع من على روس الأطفال.. بس كل شوية، ليلى كانت بتبص على الباب.
الساعة 230.. مفيش رسالة حتى من أهلي.
الساعة 300.. قطعنا التورتة من غيرهم.
الساعة 330.. الناس بدأت تمشي.
ولما الباب اتقفل ورا آخر طفل، بنتي قعدت على الكنبة بفستانها المكرمش، وحطت إيدها في حجرها، وعينيها حمراء من كتر ما حبست الدموع.
همست هما نسيوا عيد ميلادي؟
لا يا حبيبتي، أكيد في حاجة حصلت..
كررتها وهي بتعيط نسيوا.. أنا بفتكر إنهم مش بيحبوني.
الكلمة دي عملت فيا حاجة مش قادرة أشرحها..
لإني قضيت سنين ببرر لأهلي.. بدافع عنهم.. ببعت لهم فلوس إحنا أولى بيها.. بشتغل شفتات زيادة.. بخلي جوزي يشيل فوق طاقته.. وبقول لنفسي الأهل هما الأهل مهما حصل.
ودلوقتي بنتي الصغيرة قاعدة قدامي مكسورة القلب في عيد ميلادها الخامس، عشان نفس الناس اللي أنا بأنقذهم كل أسبوع، مكسلوش حتى يحضروا لها.
بالليل، بعد ما نيمنا ليلى، محمود كان رايح جاي في المطبخ وهو ضاغط على سنانه فضلت قاعدة قدام الشباك ساعتين.. سألتني لو كانت عملت حاجة غلط زعلتهم منها!
لأول مرة، مكنش عندي كلمة واحدة أقولها دفاعاً عنهم.
ولا كلمة.
الساعة 9 إلا ربع بالليل، الموبايل رن..
كان بابا.
ومكنتش أعرف إن المكالمة دي هي اللي هتهد كل اللي كنت فاكراه عن عيلتي.
الجزء الثاني الحقيقة العارية
الساعة 847 بالليل، شاشة الموبايل نورت
باسم بابا. لثانية واحدة، غبية ومتفائلة، صدقت إنه أكيد عنده عذر حقيقي.. حادثة، مستشفى، عطل في العربية.. أي حاجة كبيرة كفاية تبرر ليه طفلة عندها 5 سنين فضلت واقفة قدام الشباك بفستانها الموف ساعتين تسأل هو أنا زعلتهم في حاجة؟
رديت وأنا ساندة ضهري على رخامة المطبخ، ومحمود واقف قدامي، حاطط إيده على التربيزة وساكت السكوت اللي بيجي بعد ما تشوف بنتك بتخلص مخزون دموعها كله وتنام من القهر.
صوت بابا مكنش فيه لهفة.. كان صوته زهقان.
لا ندم، ولا كسوف، ولا حتى نهجة اعتذار. قال ببساطة مقدرناش نيجي، كأن الجملة دي المفروض تنهي الموضوع.
بصيت للشباك المظلم.. ليلى نامت أخيراً بعد شهقات وجع في حلمها. في الصالة كان في بواقي تورتة ناشفة على أطباق الورق، وبلونة مفسية تحت الكرسي، وهدية كانت أمي وعدت تجيبها لسه مكانها فاضي جنب التلفزيون.
قلت له بصوت مخنوق فضلت مستنياكم.
نفخ بابا في التليفون كأني أنا اللي ببالغ سارة، متكبريش الموضوع.. إحنا كنا عند أخوكي أحمد.. كان عنده مناسبة مهمة ومكنش ينفع نسيبه.
ضغطت على الموبايل جامد مناسبة مهمة؟ ليلى كملت 5 سنين النهاردة!
حصل سكون، وفي السكون ده سمعت أصوات في الخلفية.. صوت أمي بتقول حاجة واطية، وصوت أحمد أخويا بيضحك بعيد.. صوت شوك ومعالق وتلفزيون.. صوت حياة عادية ل عيلة أنا بقالي سنين بساعد عشان مركبتها متغرقش.
بعدين بابا قال الجملة اللي نهت كل حاجة
يا سارة، متبقيش دراما.. الموضوع مش زي بعضه.. عيلتك وضعها غير عيلة أخوكي، متتحسبش زيها.
لثانية، جسمي كله اتجمد.. مش برد، ولا رعشة، ده كان ثبات مرعب بيجي لما الحقيقة بتبقى أوضح من إننا
نجادل فيها. محمود بص في وشي وعرف إن الضربة المرة دي جت في مقتل.
سألت
تم نسخ الرابط