سلف و دين بقلم انجي الخطيب
قلقنا.
أحمد سأله برعب أمال في إيه؟
الدكتور كمل وهو بيبص لريهام بالتحديد المدام وهي بتفوق، كانت بتهلوس وبتقول ريهام قفلت عليا الباب بالمفتاح.. والممرضة لقت في إيد المدام خصلة شعر طويلة كانت ماسكة فيها بقوة وهي بتقع، وشعرها هي قصير.. ممكن أعرف إيه اللي حصل بالظبط؟
أحمد لف لريهام ببطء، وعيونه كانت بتطلع شرار. ريهام وشها بقى زي الورقة البيضا واتلجلجت أنا.. أنا ملمستهاش! دي تلاقيها اتجننت من التعب!
في لحظة، الممرضة خرجت ومعاها موبايل نور وقالت يا جماعة، الموبايل ده كان مفتوح على تسجيل الصوت في جيب الروب بتاع المدام، وشكله سجل كل حاجة.
أحمد خد الموبايل، وشغل التسجيل.. صوت الهوا، وصوت خبط نور على الزجاج، وصوت ريهام الواضح جداً وهي بتقول خليكي برا شوية، يمكن التلج ده يطفي نار الدلع اللي جواكي ويخليكي تسترجلي.
السكوت عمّ المكان، مفيش غير صوت أنفاس أحمد العالية. وفجأة، قلم نزل على وش ريهام لفّها نصين. أحمد صرخ فيها بصوت زلزل المستشفى أنتي مش أختي.. أنتي شيطانة! كنتي هتقتلي مراتي وابني عشان غلك؟
حماتي لطمت على صدرها يا مري! عملتي كدة يا ريهام؟ دي حامل يا بنتي!
ريهام حاولت تنطق، بس أحمد رما لها الموبايل في وشها وقال لها تطلعي من هنا على القسم، التسجيل ده كفيل يرميكي ورا الشمس.. ولو حصل لنور ولا لابني حاجة، والله ما هيرحمك غير الموت.
في اللحظة دي، الممرضة خرجت تاني وقالت بلهفة يا دكتور! الحالة فاقت.. بس بتصرخ وبتقول إنها مش حاسة بحركة البيبي!
الدكتور جرى لداخل الغرفة، وأحمد وقع على ركبه في الطرقة وهو بيدعي بانهيار، بينما ريهام كانت بتتسحب عشان تهرب، بس أمن المستشفى كان أسرع وقفلوا عليها الممر. الحقيقة المرة بدأت تظهر، والكل كان مستني يعرف يا ترى نور وابنها هيعدوا منها، ولا ريهام نجحت في خطتها السودة؟
الدكتور دخل الغرفة بسرعة البرق، وأحمد كان هيتجنن برا، كل ثانية بتعدي كانت كأنها سنة. فجأة، صوت صرخة مكتومة طلعت من أوضة الكشف، أحمد زق الباب ودخل وهو مش شايف قدامه، لقى نور ماسكة في إيد الممرضة وبتعيط بانهيار وهي بتقول ابني يا أحمد.. ابني مبيتحركش،
الدكتور كان حاطط سماعة السونار على بطنها، والسكوت في الأوضة كان مرعب، مفيش غير صوت وش الجهاز. ريهام كانت واقفة عند الباب، ملامحها كان فيها مزيج من الرعب والشماتة المستخبية، وكأنها مستنية تسمع خبر يبرد نارها.
وفجأة.. صوت دُب.. دُب.. دُب ملى الأوضة.
صوت نبض قلب البيبي كان سريع وضعيف، بس كان موجود. الدكتور اتنفس الصعداء وقال الحمد لله.. النبض موجود، بس الحالة لسه خطيرة جداً. الرحم كان هينفجر من كتر التشنج والبرد، والبيبي اتعرض لنقص أكسجين. لازم المدام تفضل تحت الملاحظة 48 ساعة، وأي انفعال تاني ممكن ينهي كل حاجة.
أحمد لف لريهام اللي كانت لسه واقفة، مسكها من دراعها بغل وسحلها لبرة الأوضة وسط ذهول الممرضين والدكاترة. رماها قدام أمه وقال بصوت واطي ومرعب شفتي؟ ابني كان هيروح بسبب الغل اللي مالي قلب بنتك. يا أمي، ريهام من اللحظة دي لا أختي ولا أعرفها، ورجليها مش هتعتب بيتي تاني، ولو شفتها في مكان هحبسها بالتسجيل اللي معايا.
ريهام حاولت تستعطف أمها يا ماما والله كنت بهزر معاها، مكنتش فاكرة إنها فرفورة كدة!
الأم أدتها نظرة كلها قرف وقالت لها يا خسارة تربيتي فيكي.. اطلعي برا يا ريهام، أخوكي عنده حق، أنتي قلبك بقى حجر.
ريهام مشيت وهي بتبرطم بكلمات سم زيها، بس الصدمة الحقيقية كانت لما نور بدأت تسترد وعيها بالكامل وتتكلم. بصت لأحمد بدموع وقالت له عارف يا أحمد.. هي مكنتش بس قافلة الباب، هي كانت واقفة ورا الزجاج بتضحك وبتاكل قدامي، ولما بدأت أدوخ، شفتها وهي بتطلع موبايلها وبتصورني فيديو وأنا بقع.. كانت بتصور موتي يا أحمد!
أحمد عيونه قلبت دم، وطلع تليفونه وكلم المحامي بتاعه فوراً أنا عايز محضر شروع في قتل، ومعايا تسجيلات وفيديوهات تدفنها في السجن.
بعد يومين، نور خرجت من المستشفى بالسلامة، بس النفسية كانت متدمرة. أحمد غير قفل البيت، وقطع علاقته بأخته تماماً. ريهام ملقيتش حد يقف جنبها، حتى جوزها لما عرف باللي عملته، طلقها ورماها في الشارع وقال لها اللي متصونش عرض أخوها وتخاف على ابنه، متصونيش أنا.
نور قعدت في بيتها، وحطت إيدها على
بعد كام شهر، كانت نور قاعدة في الصالة، وبطنها بقت قدامها شبرين، والبيت هادي ومفيش فيه غير صوت أحمد وهو بيغني للبيبي اللي لسه مجاش. في اللحظة دي، جرس الباب رن. أحمد فتح، ولقى والدته واقفة ووشها باهت، وعينيها منفوخة من العياط.
أحمد بص لها بجمود وقال أهلاً يا أمي، خير؟ ريهام بعتاكي عشان نصالحها برضه؟
الأم دخلت وهي بتترعش وقعدت على الكرسي ريهام ضاعت يا ابني.. جوزها بعد ما طلقها، أهل جوزها طردوها من الشقة وخدوا منها كل حاجة، وهي دلوقتي قاعدة في أوضة وصالة بالإيجار، ومحدش بيسأل
فيها، حتى صحابها اللي كانت بتتباهى قدامهم اتخلوا عنها.
نور خرجت من الأوضة بالراحة وسندت على الحيطة. الأم بصت لها بكسرة سامحيها يا نور، البت بتتدمر، وكل يوم بتبعتلي رسايل بتعيط وتقول إنها بتشوف كوابيس وكل ما تغمض عينها بتسمع صوت خبطك على الزجاج.
نور بصت لحماتها بكل هدوء وقالت يا ماما، أنا سامحتها بيني وبين ربنا عشان مش عايزة شيل في قلبي، بس عتبة بيتي مش هتخطيها تاني. اللي هان عليه روح طفل صغير وجسم ست حامل في عز التلج، ملوش أمان. أنا كنت بموت يا ماما، كنت بشوف الموت بعيني وهي بتضحك.
أحمد قطع الكلام وقال بحسم ريهام خدت جزاءها يا أمي، والعدل اللي حصل ده هو اللي برّد ناري. اللي عملته مكنش غلطة، ده كان غل.. والغل ده هو اللي حرق حياتها. خليها تعيش في الأوضة دي، يمكن السقعة اللي هي فيها دلوقتي تفكرها بسقعة البلكونة، وتعرف إن الله حق.
الأم نزلت راسها في الأرض، وعرفت إن مفيش رجوع. وهي خارجة، بصت لنور وقالت لها ربنا يقومك بالسلامة يا بنتي، أنتي أصيلة، وهي اللي خسرت.
مرت الأيام، ونور ولدت سليم، طفل زي القمر، ملى البيت ضحك وفرحة. وفي يوم، وأحمد شايل ابنه وواقف بيه في البلكونة اللي كانت يوم من الأيام مكان الكابوس، بص لنور وقال لها عارفة
نور ابتسمت وهي بتغطي ابنها كويس من الهوا، وبصت للسما وقالت الدنيا دوارة يا أحمد، اللي بيزرع شوك بيحصد جراح، واللي بيصبر بينول.. وإحنا الحمد لله، صبرنا ونولنا.
وبقت حكاية ريهام عبرة في العيلة كلها، إن الظلم ليله قصير، وإن دعوة المظلوم ملهاش حجاب، حتى لو كانت صرخة مكتومة ورا لوح زجاج في ليلة برد.
بعد سنين، سليم كبر وبقى مالي الدنيا عليهم، ونور وأحمد عاشوا حياة هادية ومستقرة، والوجع القديم بقى مجرد حكاية بيحكوها عشان يعلموا ابنهم إن الحق دايما بينتصر.
في يوم، وأحمد ماشي في الشارع، شاف واحدة ست ماشية بجرير في رجليها، لبسها قديم ووشها عليه علامات الهم والسن، رغم إنها لسه مش كبيرة. دقق في الملامح، وقلبه انقبض.. كانت ريهام.
ريهام أول ما شافته، وقفت مكانها، عينيها اتملت دموع، وكان باين عليها الذل والكسرة. حاولت تقرب منه وهي بتقول بصوت مرعوش أحمد.. يا أخويا.. وحشتني.
أحمد وقف مكانه، بص لها بنظرة مفيش فيها غل، لكن فيها شفقة ممزوجة ببعد كبير. رد عليها بهدوء أهلاً يا ريهام.. عامله إيه؟
ريهام بدأت تعيط بانهيار أنا بموت يا أحمد، الدنيا داست عليا أوي، ومحدش طايق يكلمني، والوحدة قتلتني.. سامحني يا أخويا، أنا ندمت على كل لحظة وجعت فيها نور.
أحمد سكت لحظة، وبعدين طلع مبلغ من جيبه وحطه في إيدها وقال لها أنا مسامحك يا ريهام كأخ.. ونور كمان سامحتك بقلبها الكبير. بس اللي بينا انكسر، والحاجة لما بتنكسر مابترجعش زي الأول. عيشي حياتك واتقي الله في اللي جاي، وادعي ربنا يغفر لك.
سابها ومشي وهي واقفة في نص الشارع بتبكي على العز والأهل اللي ضيعتهم بإيدها وبغلّها. رجع أحمد لبيته، فتح الباب لقى سليم بيجري عليه ويحضنه، ونور بتبتسم له وهي بتحط الغدا.
بص لا مراته وابنه، وحس إن دي المكافأة الحقيقية من ربنا.. بيت فيه أمان، وقلوب مفهاش سواد. قفل الباب وراه، وكأنه بيقفل صفحة الماضي للأبد، وعاشوا في سعادة، والدرس فضل محفور في قلوبهم إن الله لا يصلح
تمت
بقلم انجي الخطيب