حارس الظل كاملة بقلم الكاتبة انجي الخطيب

لمحة نيوز

الساعة كانت حداشر وخمسين دقيقة بالليل.. **چيهان** كانت لوحدها في قاعة الاجتماعات في الدور التلاتين، عينيها مش مفارقة شاشات اللاب توب اللي مليانة أرقام وحسابات، أرقام لو غلطت في "بوينت" واحدة منها، مستقبل شركة كاملة في البورصة ممكن ينهار.
القاهرة كانت منورة تحتها من ورا الإزاز، لكن جوه القاعة مكنش فيه غير ريحة القهوة المحروقة والضغط اللي يخنق. صوابعها كانت بتخبط على الكيبورد بعنف، وعينيها من التعب والجهد بقت حمراء زي الدم. المدير المالي للشركة حصله أزمة قلبية من تلات أسابيع بسبب الضغط، ومجلس الإدارة "رمى" الميزانية كلها والمراجعة السنوية على مكتبها هيَّ وبدون رحمة.
چيهان عندها اتنين وتلاتين سنة، "مدير مالي" شاطر جداً، بس دلوقتي هي على بُعد خطوة واحدة من الانهيار. كانت عايشة بقالها أيام على القهوة ومشروبات الطاقة والخوف.. الخوف من الغلط.
فجأة، الموبايل نور.. رسالة من أختها الصغيرة **"فريدة"**.
چيهان فتحت الموبايل، شافت صورة لـ فريدة وهي لابسة فستان سواريه غالي جداً، وماسكة كاس عصير قدام حمام سباحة في فندق "خمس نجوم" في **الجونة**.. رملة بيضاء، بحر أزرق، وحياة مفيش فيها ذرة مسؤولية.
تحت الصورة كان مكتوب: *"كان نفسي تبقي معانا يا چيچي! شكراً يا حبيبتي إنك حجزتيلنا الڤيلا اللي بتطل على البحر.. إنتي أحسن أخت في الدنيا!"*
چيهان فضلت باصة للصورة لحد ما الشاشة طفيت.
أهلها عمرهم ما شافوا تعبها وشغلها ده "إنجاز".. هما شايفينها "ماكينة ATM" بتمشي على الأرض. على مدار سبع سنين، كانت هي اللي بتسدد، هي اللي بتلحقهم

في أي مصيبة، هي اللي بتدفع تمن "المنظرة" الكدابة. الرقم كان محفور في دماغها زي المسمار: **5 مليون جنيه**.
قرض البنك اللي سددته عشان أبوها لما شركته "وقعت"، مصاريف جامعة فريدة "الخاصة" عشان القروض مكانتش من مستواهم، وقبل تلات أيام بس.. آخر تحويل بنكي عملته.. كل اللي كان فاضل في حسابها الشخصي عشان تكاليف فرح فريدة.
**"نيرمين"**، أمها، صممت إن الفرح لازم يكون في "الجونة" عشان أهل العريس "مستواهم عالي" والمنظرة عندهم أهم من الأكسجين. لما الكريدت كارد بتاعهم خلص، نيرمين كلمتها وهي بتصوت وتولول إن أهل العريس هيلغوا الجوازة لو عرفوا إننا "على قد حالنا".
چيهان حولت الفلوس بس عشان تشتري "سكوتهم".. كانت محتاجة هدوء.. محتاجة تركز في شغلها.
حطت الموبايل وحاولت تقوم تقف..
ركبها خانتها في ثانية.
مفيش مقدمات.. مفيش دوخة بسيطة.. جسمها "فصل".
وجع مرعب انفجر ورا عينها الشمال. وقعت على السجاد بقوة، واللاب توب اتزحلق من على التربيزة واتكسر جنبها. كانت مرمية على الأرض، بتحاول تسحب نَفَس واحد مش عارفة. جنبها الشمال كله "مات".. إيدها، رجلها، حتى نص وشها.. مفيش إحساس.
كانت عارفة ده إيه.. **نزيف في المخ**.
حاولت تمد إيدها اليمين عشان توصل للموبايل.. فشلت. حاولت تاني.. صوابعها مش بتسمع كلامها. الموبايل اتزحلق تحت تربيزة الاجتماعات، وبقى بعيد عن نظرها.
الدنيا بدأت تضيق.. الرؤية بتسودّ.. وفي اللحظة دي، في مبنى الشركة الفاضي، "مكنسة التنظيف" الأوتوماتيك بدأت تشتغل في الممرات، صوت مواتيرها الهادي كان هو الحاجة الوحيدة اللي چيهان
سامعاها وهي بتموت ببطء.
وفي نفس اللحظة دي، وعلى بعد مئات الكيلومترات، كانت **نيرمين** بتدخل بهو الفندق الفاخر في الجونة، وهي بتجر وراها شنط "براندات" وبتشتكي من الرطوبة والحر.
چيهان كانت مرمية على السجاد، والظلام بدأ يغطي عليها تماماً.

## **الجزء الثاني: الثمن**
أضواء العناية المركزة كانت بتخترق جفونها زي السكاكين.
"چيهان" كانت غايبة عن الوعي، مابين الحلم والواقع.. أجهزة بتصفر، جهاز تنفس بيطلع صوت فحيح مرعب، وصدرها واجعها كأن فيه جبل فوقه. ريحة المكان كانت خليط من المطهرات واليود.
فجأة، وسط الضباب ده، سمعت صوت عارفاه كويس.. صوت أمها.
"إحنا معندناش وقت للكلام ده يا دكتور!"
چيهان فتحت عينيها بالعافية، شافت "نيرمين" واقفة عند رجل السرير، لابسة فستان شيفون بألوان مبهجة، بشرتها لسه مسمرّة من شمس الجونة، وفي إيدها ساعة ذهب.. ملامحها مكنش فيها حزن، كان فيها "زهق" واستعجال. ووراها كان واقف "محمود" (أبوها) باصص في الأرض ومنطقش بكلمة.
دكتور جراحة الأعصاب كان ماسك "الاشاعات" بإيده وضغط عليها بغيظ وهو بيقول:
"يا مدام، بنتك حصلها نزيف حاد في المخ، وعندها مضاعفات خطيرة في صمام القلب.. لازم عملية قلب مفتوح فوراً قبل ما الحالة تستقر، لو مأخدناش القرار ده دلوقتي، عضلة القلب ممكن تقف في أي لحظة."
نيرمين ردت بحدة: "طيب ما تعملوا العملية! هي مش ليها تأمين طبي؟"
الدكتور رد بيأس: "التأمين مش مغطي الجراحة دي لأنها محتاجة طاقم متخصص من بره المستشفى، والمستشفى محتاجة إيداع فوري بـ 3 مليون جنيه عشان نجهز غرفة العمليات ونحجز

الطاقم."
نيرمين ضحكت بسخرية مريرة: "3 مليون جنيه؟! إنت بتتكلم في إيه يا دكتور؟ أنا مش هصرف فلوس فرح فريدة ولا هكسر وديعة المعاش عشان حاجة التأمين ممكن يدفعها بعدين.. چيهان لسه صغيرة وقوية، وهتعدي الأزمة دي بشوية أدوية."
الدكتور ذهب: "يا مدام، بنتك ممكن تموت!"
نيرمين لفت وشها لچيهان وكأنها مش شايفة بنتها اللي بتموت وقالت لجوزها: "يلا يا محمود، العربية مستنية بره، وطيران الغردقة مش بيستنى حد وفلوسه مش بترجع.. فريدة منهارة هناك عشان الورد بتاع الفرح لسه موصلش!"
چيهان كانت سامعة كل كلمة.. كانت واعية بس مسجونة جوه جسم مش بيتحرك. دموعها نزلت بصمت وغرقت شعرها.
أهلها خرجوا.. مفيش اعتذار، مفيش نظرة وداع، مفيش إيد طبطبت عليها.. مفيش غير صوت جرجرة شنط السفر وريحة البرفان الغالي، والحقيقة المرة إن حياتها كان ليها "تمن" وأهلها استخسروه فيها.
فجأة، جهاز ضربات القلب بدأ يصفر بجنون.. الضغط النفسي كان أقوى من جسمها. الخط على الشاشة بقى "فلات".. مفيش نبض.
الدكتور صرخ: "إنعاش فوراً!"
وفي اللحظة اللي الدنيا فيها اسودت تماماً، باب العناية المركزة انفتح، ودخل راجل لابس بدلة فخمة جداً، وفي إيده "كارت ائتماني" أسود (تيتانيوم).. وقال بكلمة واحدة هزت الأوضة: "ابدأوا العملية.. التكلفة بالكامل عندي."
## **الجزء الثالث: عثمان الجبراوي**
لما چيهان فاقت تاني، الدنيا كانت اتغيرت.
جهاز التنفس مكنش موجود، الأضواء كانت هادية، وبدأت تحس بصوابعها. صدرها كان عليه ضمادات العملية، وأكسجين خفيف داخل مناخيرها. الأوضة كانت "جناح خاص" هادي
جداً.. مفيش فيه حد من أهلها.

تم نسخ الرابط